الثلاثاء، 3 أكتوبر 2023

الملك يضع خطوطا حمراء لمُعَدِّلي مُدونة الأسرة.. وينبه لهذا الأمر


خليفة مزضوضي من مراكش 
 الملك يضع خطوطا حمراء لمُعَدِّلي مُدونة الأسرة.. وينبه لهذا الأمر .


ما إن أعطى الملك محمد السادس، الثلاثاء الماضي، أمره لرئيس الحكومة عزيز أخنوش، بالشروع في إعادة النظر بمدونة الأسرة حتى احتدم الجدل وتناسلت التوقعات بل والإشاعات بشأن التعديلات التي يُرتقب أن تشهدها المدونة.

حيث تشهد الساحة الوطنية صراعا حامي الوطيس، بين أغلبية إسلامية لا يكاد يسمع صوتها إلا في منابر إعلامية معدودة، وبين أقلية علمانية حداثية مرفوضة اجتماعيا وقِيَّميا، غير أنها تتمتع بحضور قوي ومؤثر في وسائل الإعلام العمومية والخاصة على حد سواء.

وفي هذا السياق ارتأينا -تنويرا للرأي العام، وتنبيها لمن يهمه الأمر- أن نذكر بضوابط صارمة حددها – بوضوح تام لا يقبل التأويل – خطاب العرش الذي ألقاه الملك محمد السادس في 30 يوليوز 2022، والذي دعا من خلاله إلى تعديل مدونة الأسرة، بعد مرور عقدين على دخولها حَيّز التنفيذ.

فبعد أن استهل الملك خطابه بالتذكير بالأساس القوي المتين الذي تقوم عليه الدولة المغربية وهو “روابط البيعة المتبادلة، بين العرش والشعب”، والتنويه بـ“التلاحم الوثيق [بينهما]، عبر التاريخ، في السراء والضراء”، شرع الملك محمد السادس في الحديث عن دواعي إعادة النظر في مدونة الأسرة، واضعا لتعديلها أُطُرًا وخطوطا حمراء لا ينبغي التجاسر على اقتحامها؛ نظرا لما تشكله من خطورة كبيرة على تماسك المجتمع المغربي ولُحمَته.

وفي هذا الصدد أكد الملك على أن المدونة، عكس اعتقاد فئة من الموظفين ورجال العدالة، هي “ليست مدونة للرجل، كما أنها ليست خاصة بالمرأة؛ وإنما هي مدونة للأسرة كلها؛ فالمدونة تقوم على التوازن، لأنها تعطي للمرأة حقوقها، وتعطي للرجل حقوقه، وتراعي مصلحة الأطفال”.

وهذا التصور الواضح والشامل للغرض من وضع المدونة يكشف مقدار السذاجة والتسطيح والتبسيط الذي تنظر من خلاله بعض التوجهات الحداثية والنَّسوِية لمدونة الأسرة، والتي تحولت عند هؤلاء إلى مجرد أداة لتصفية الحسابات، وتدبير صراع طاحن بين الجنسين.

كما أكد الملك في ذات الخطاب – بلسان عربي مبين – على أنه وبصفته أميرا للمؤمنين ” لن يحل ما حرم الله، ولن يحرم ما أحل الله”. وهو ما يُغلق الباب تماما في وجوه كثير من المطالب الحداثية والنسوية التي تهدف لتحليل الحرام (المساواة في الإرث …)، وتحريم الحلال (المنع التام لتعدد الزوجات ..)، في مصادمة صريحة وواضحة لقطعيات الشريعة الإسلامية السمحة.

وشدد الملك محمد السادس كذلك على أن أي تعديل للمدونة يجب أن يتم في ” إطار مقاصد الشريعة الإسلامية”، وفي مراعاة واحترام تام لـ“خصوصيات المجتمع المغربي”.

وهذا الإطار المهم يعد بمثابة فرامل قوية بوجه التيارات النسوية والحداثية التي تسعى لفرض التشريعات والقيم الغربية على المغاربة بقوة الدولة والقانون تحت مسميات خَدَّاعة من قبيل “القيم الكونية لحقوق الإنسان”، واحترام “الحريات الفردية”، وغيرها من الشعارات البراقة التي ما أن يُمْعِن فيها الإنسان النظر حتى يجدها مجرد وسائل لتكريس الهيمنة الغربية ومحو كل الخصوصيات والهويات والقيم التي تحاول الوقوف في وجهها والحد من تمددها.

هذا، وقد عاد الملك محمد السادس في خطاب العرش لسنة 2023 ليؤكد على أن المغرب يشكل ” دولة – أمة، تضرب جذورها في أعماق التاريخ”.

ودول هذا شأنها تكون دائما نَزَّاعة للاعتزاز بخصوصيتها وتفرُّدها، ولا تجدها إلا معتزة بشرائعها وقيمها التي تميزها عن نظيرتها من الدول والممالك العريقة، من غير انغلاق تام على الذات ولا انفتاح غير مستبصر على الغير.

وهذا ما نص عليه الملك في ذات الخطاب قائلا ” والمغاربة معروفون، والحمد لله، بخصال الصدق والتفاؤل، وبالتسامح والانفتاح، والاعتزاز بتقاليدهم العريقة، وبالهوية الوطنية الموحدة”.

وفي أمر بدا لافتا ومثيرا للانتباه، ويجب ألا يغيب طرفة عين عن كل ما له صلة بتعديل مدونة الأسرة، وهو تخصيص الملك محمد السادس فقرة كاملة مستقلة من خطاب العرش لسنة 2023 ليحدث المغاربةَ كل المغاربةِ عما يشهده عالم اليوم من اهتزاز في منظومة القيم والمرجعيات، ويذكرهم بالإصالة المغربية.


يقول الملك محمد السادس:


” شعبي العزيز.. في ظل ما يعرفه العالم، من اهتزاز في منظومة القيم والمرجعيات، وتداخل العديد من الأزمات، فإننا في أشد الحاجة إلى التشبث بالجدية، بمعناها المغربي الأصيل:


-أولا: في التمسك بالقيم الدينية والوطنية، وبشعارنا الخالد: الله – الوطن – الملك؛


-ثانيا: في التشبث بالوحدة الوطنية والترابية للبلاد.


-ثالثا: في صيانة الروابط الاجتماعية والعائلية من أجل مجتمع متضامن ومتماسك.


-رابعا: في مواصلة مسارنا التنموي، من أجل تحقيق التقدم الاقتصادي، وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية”.


وفي الختام نحب أن نلفت إلى أنه ما كان لتعديل المدونة أن يثير كل هذا الجدل والأخذ والرد لولا الخرجات المستفزة لبعض الوجوه الحداثية والنسوية المتطرفة التي تسعى إلى فرض مشروع مُجتمَعي تَغْرِيبِي على المغاربة بقوة الدولة والقانون، بل ويجاهر هؤلاء المتطرفون أمام كل الشعب المغربي المعتز بدينه وقيمه وتراثه بأن هدفهم الاستئصال التام للإسلام من المدونة، وجعلها مدونة علمانية حداثية خالصة .

السبت، 30 سبتمبر 2023

ما دفنه الزلزال ليس أجسادا بشرية فقط، وإنما تاريخ من الأمجاد، ومدن من الحضارة، وشعب صبور كريم عظيم

 خليفة مزضوضي: مدير أكاديمية الأنطاكي


يالخاصة الدولية للتدريب والبحث  مراكش

نسمع كثيرا في نشرات الأخبار هذه الأيام أسماء مدن مراكش، مولاي إبراهيم، وشيشاوة وتارودانت وأكادير و وارزازات .. ومدنا وقرى بين ذلك كثيرة..

هذه المناطق هي مركز الزلزال، وهي عمق المغرب وتاريخه الكبير.. مراكش التي بناها المرابطون، وفيها يرقد الأمير المسلم يوسف بن تاشفين، وبجوارها تينمل حيث انطلقت دعوة ابن تومرت مؤسس امبراطورية الموحدين.

وتارودانت أقدم وأعرق مدن المغرب، وسورها ثالث أعظم سور أثري في العالم بعد سور الصين العظيم وسور كومبالغار بالهند، وقد ازدهرت فيها صناعة السكر في القرن 16م فقد بنى السلطان السعدي أحمد المنصور الذهبي قصره “البديع” وقبور أسرته في مدينة مراكش بالرخام الذي كان يستورده يومها من إيطاليا ويدفع مقابله السكر “وزنا بوزن وكذالك مسجد مولاي اليزيد بالقصبة بمدينة مراكش ”.

ومنطقة سوس العالمة، وجبال الأطلس الكبير حيث تتمازج مدن العرب والأمازيغ كما تتمازج لوحات الزهور.. هناك حيث منائر المساجد شامخة في سفوح الجبال، وكتاتيب القرآن، والمدارس العلمية العتيقة.. هنا عمق المغرب الثقافي والعلمي والديني، المغرب الإسلامي الأصيل الذي لاتعكسه واجهات المدن السياحية الكبيرة المختلطة..

ما دفنه الزلزل ليس أجسادا بشرية فقط، وإنما تاريخ من الأمجاد، ومدن من الحضارة، وشعب صبور كريم عظيم..

فرج الله عنا وعن شعبنا العظيم كل هم ، وكشف عنا كل الغمة.

الثلاثاء، 10 نوفمبر 2020

عقليةالوفرة و عقليةالندرة

 


بقلم : خليفة مزضوضي 

عقلية الوفرة: 

هي أن تؤمن أن هناك فرصاً تكفي الجميع وخيرًا يكفي الجميع في هذه الدنيا..

فلست بحاجة أن تخسر أحداً أو تؤذي أحداً حتى تكسب أنت.. فهناك خير يكفي الجميع.


عقلية الندرة والشح: 

هي أن تؤمن أن الخير والفرص محدودة (اللقمة واحدة إما أن تأكلها أنت أو يأتي احد غيرك يأكلها)؛ ولابد أن يكون هناك واحد خسران.. فالحياة كلها صراع وتنافس.


الذين يفكرون بعقلية الندرة: 

- يخافون أن ينجح الآخرون. 

- يخافون أن يمدحوا الآخرين. 

- لا يشارك في معلومات ولا معرفة، لأنه يظن أن غيره إذا نجح فهو خاسر.

- يخاف أن يعلم الناس كيف نجح وكيف تطور؛ يعني يخاف الناس أن تأخذ مكانه ..


الذين يفكرون بعقلية الوفرة:

- تجده هادئا مطمئناً. 

- لا تهدده نجاحات الآخرين، بل يطري على نجاحاتهم ويثني عليهم. 

- يشارك الناس تجاربه ومعرفته ومعلوماته. 


وباختصار:

هناك شخصيات تفكر بعقلية "الوفرة" فترى كل شيئا حولها متعددا وكثيرا، وآخرون أشغلتهم "الندرة" فتجدهم في قلق دائم وتوتر..


ومن يفكر بعقلية "الوفرة" يرى دائماً أن الفرص كثيرة ومتكررة، أما من يفكر بعقلية "الندرة" فهو يرى أن ضياع الفرصة يعني ضياع مستقبله...

الأحد، 25 أكتوبر 2020

سن الاربعين

 

بقلم خليفة مزضوضي من مراكش 

إن كنت في الأربعين أو اقتربت من الأربعين، أو تجاوزتها بقليل، اعرف أن الأربعين هو العمر الوحيد الذي خصه القرآن بدعاء مميز 

"حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال ربي أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت اليك وإني من المسلمين"

هذا دعاء مؤثر يتضمن الشكر على ما فات والدعاء لما هو آت.


في الأربعين يشعر الواحد منا وكأنه على قمة جبل، ينظر الى السفح الأول فيرى طفولته وشبابه .

ويجد أن مذاقهما لا يزال في أعماقه ، وينظر إلى السفح الآخر فيجد ما تبقى من مراحل عمره ويدرك كم هو قريب منها.


إنه العمر الذي يكون الإنسان قادراً فيه على أن يفهم كل الفئات العمرية ويعايشها ويتحدث بمشاعرها و أفكارها.


في الأربعين نكتشف بياض الشيب قد بدأ على رؤوسنا إن لم يكن قد بدأ سابقا، ويبدأ كذلك ضعف البصر فيقبل كل منا على نظارة القراءة لتصبح جزءاً من محمولاته اليومية .


وفي الأربعين نسمع لأول مرة من ينادينا في الأماكن العامة (تفضل يا عم) .. (تفضلي ياخالة )

ليجد وجوهنا مستغربة للنداء الجديد .


في الأربعين يلتفت لنا من هم في الستين ليقولوا لنا :-

هنيئآلكم مازلتم شباباً ، فيزداد استغرابنا.


في الأربعين تبدأ أزمة منتصف العمر، يبدأ السؤال القاسي :ماذا أنجزت في عملك؟

ماذا أنجزت لأسرتك؟

ماذا أنجزت في حياتك؟

ماذا أنجزت في علاقتك مع ربك؟

فإذا لم ترجع لربك وقد بلغت هذا العمر فمتى ترجع يا بن آدم؟


إنه سؤال يهز القلوب ويشغل التفكير، فالمشكلة أن الأيام تمر أسرع مما نتوقع ، ألم تنظر خلال طفولتك إلى من هم في سن الأربعين على أنهم شبعوا من دنياهم ؟ 

أما اليوم فإننا نرى بأننا لم نحقق الكثير مما وضعناه لأنفسنا ، وأن السنوات تجري بنا ولا تعطينا فرصة لكي نصنع ما نريد .


في الأربعين ندرك القيمة الحقيقية للأشياء الرائعة التي تحيط بنا ، ننظر إلى والدينا إذا كانا موجودين أو إلى أحدهما فنشعر أنهما كنز وعلينا أن نؤدي حقهما ونبر بهما .

 كذلك ننظر إلى أبنائنا فنراهم قد غدوا إخوانا لنا ينافسوننا طولا و عرضا و ينتظرون صحبتنا .

كذلك ننظر إلى الإخوان والأصحاب فنشعر بسرور غامر لوجودهم حولنا، كما ننظر إلى تقصيرنا وأخطائنا فنرى أنها لا تليق بمن هو في الأربعين عمرالحكمة والتوازن و الرصانة و العقل.


في الأربعين يبدأ الحصاد و نشعر حقيقة أننا كنا كمن كان يجري ويجري، واليوم بدأ يخفف من جريه . ويلتفت إلى لوحة النتائج ليقرأ ملامحها الأولية ، وهو يعلم أن النتائج النهائية لم تحسم بعد ، إلا أن التغيير بعد الأربعين ليس بسهولة ما قبلها .

يامن تقرأ كلماتي ✋❤

الله ينور قلبك بالعلم والدين ويشرح صدرك بالهدى واليقين .

🌺🌺🌺

تحية لكل من بلغ او تجاوز الأربعين أو دنا من الأربعين 🌹🌹🌹

الاحزاب السياسية والانتخابات المقبلة 2021

 


بقلم : د خليفة مزضوضي من مراكش

يبدو الانتخابات البرلمانية والجماعية والمهنية بالمغرب المقرر تنظيمها في افق 2021 محطةً حاسمةً في البلاد، مع تخوف الدولة والقوى السياسية من تدني نسبة المشاركة والإقبال على صناديق الاقتراع، لا سيما في ظلّ سياقٍ سياسي دقيقٍ وصعب، يتسم بفقدان المواطن الثقة بالعملية السياسية والانتخابية.
ومع فتح المشاورات بين وزارة الداخلية والأحزاب السياسية، خلال الأسبوع الحالي، إشارة انطلاق التحضير الفعلي لانتخابات 2021، عاد النقاش مجدداً، حول نسبة المشاركة في رابع انتخابات تُجرى في عهد جلالة الملك محمد السادس نصره الله . وتمثل هذه الانتخابات امتحاناً صعباً للدولة وللأحزاب السياسية بمختلف أطيافها  و الوانهاا، على اعتبار أن أيّ عزوفٍ عن التوجه إلى صناديق الاقتراع، سيعيد إلى الأذهان سيناريو انتخابات العام 2007 من تدني نسبة المشاركة إلى 37 في المائة، بل سيوجه ضربة موجعة إلى المسار الإصلاحي الذي انتهجه عاهل البلاد جلالة الملك محمد السادس نصره الله وكدالك كافة أطياف الشعب المغربي منذ الربيع العربي، وجعله استثناءً في المنطقة، كما سيطرح علامات استفهام حول من يتحمل مسؤولية ذلك

يسيطر تغليب المصالح الشخصية على المصلحة العامة على الواقع الحزبي في المغرب

وعلى الرغم من أن لا أحد من مصلحته تكرار سيناريو السابع من سبتمبر 2007، في ظلّ التحديات التي تواجه البلد والدولة والأحزاب مجتمعين، إلا أن الواقع السياسي المعاش منذ اعتماد دستور المملكة الجديد في العام 2011، يشير إلى استمرار السلوكيات والأسباب نفسها التي لا تغري الناخبين بالمشاركة، ووجود انعدام الرغبة  و أزمة ثقة في العملية السياسية والانتخابية، كما في القوى السياسية المرتبطة بها

وعلى الرغم مما جاء به الدستور الجديد، والمقتضيات القانونية المنظمة للحياة الحزبية، لم يتمكن الفاعل الحزبي من وضع قطيعة مع الماضي، إذ لا يزال فقدان الثقة من قبل المواطنين قائماً، في ظلّ واقعٍ حزبي يتميز بتغليب المصالح الشخصية على المصلحة العامة، وعدم القدرة على القيام بالأدوار الدستورية المتمثلة في تأطير المواطنين وتكوينهم سياسياً، ما يجعل الناخب أمام واقع سياسي لا يغري على الإقبال على صناديق الاقتراع، وقبله على التسجيل في اللوائح الانتخابية.
ولعل هذا الواقع هو ما دفع بعض قادة الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان، إلى مطالبة رئيس الحكومة سعد الدين العثماني، خلال الجولة الأولى لمشاورات الإعداد للانتخابات المقبلة، والتي عُقدت في مارس الماضي، وكذلك خلال الجولة الثانية التي عقدت يوم الأربعاء الماضي في وزارة الداخلية، بالقيام بإجراءات تصالح المغاربة مع السياسة، وذلك تخوفاً من ارتفاع ظاهرة العزوف الانتخابي.
ولئن إمكانية تكرار سيناريو العام 2007 تبقى قائمة، فإن الأحزاب المغربية تجد نفسها، قبل سنة على موعد الانتخابات، أمام تحدي إيجاد مبادرات تدفع المواطنين للإقبال على صناديق الاقتراع.
بالفعل “هناك اليوم فراغاً وهوة حقيقية بين المواطن والشأن السياسي، إلى حدّ أن المجتمع يبدو في وادٍ، والفضاء المؤسساتي والسياسي والحزبي في وادٍ آخر”. إلى أنه “في ظلّ هذا الوضع، لا يمكن مباشرة النقاش حول الانتخابات، من دون مناقشة أزمة الثقة الموجودة في المجتمع، ومن دون أن نرى ماهية الإجراءات التي من شأنها أن تفضي إلى انفراج سياسي ومصالحة بين الشأن السياسي وبين المواطن”.
لأن من المبادرات التي يمكن أن تساهم في تلافي شبح العزوف الانتخابي، هي خلق جوٍّ سياسي جديد، من خلال إحداث انفراج في بعض النزاعات الاجتماعية، وتجاوزها  هنا وكما أشير هنا إلى انعدام الدور الفعال المنوط بكل الأحزاب السياسية إلى أن الأحزاب السياسية مطلوب منها أن تكون حاضرةً بكل استقلالية، وأن تملأ الساحة وتفيق من سباتها، وتعيد النظر في أساليبها، وكذلك أن تفتح أبوابها للجديد وتجد صيغاً للانغماس أكثر في المجتمع.
كما أن المشاركة المكثفة المأمولة للمواطنين والمواطنات في الانتخابات، تواجه تحديات حقيقية يتعين استيعابها ورفعها، في ظلّ النقص الكبير في الثقة داخل المجتمع وتواضع درجة المصالحة مع السياسة، الا أن الأحزاب واعٍية لهذا التحدي ولجدية الموضوع، ويُمعن النظر باستمرار داخل مؤسساتها من أجل فرز المبادرات الكفيلة بمواجهة تحدي المشاركة المواطنة. لان المبادرات المطلوبة هي التعريف أكثر بالنموذج الديمقراطي والتنموي الوطني، وما يشكله من استثناء في السياق الإقليمي والدولي، مع اعتبار النقص والتحديات التي تواجهه، وبناء خطاب تواصلي وانتخابي إقناعي بجودة حصيلة الحزب في تدبير الشأن العام وطنياً ومحلياً، على كل المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
ومن بين المبادرات المطلوبة كذلك لمواجهة تحدي العزوف، تعزيز العرض السياسي للحزب القائم على قيم الشفافية والنزاهة والكفاءة في أداء الوزراء والبرلمانيين والمنتخبين المحليين، وعلى استدامة علاقة القرب مع المواطنات والمواطنين بتكثيف آليات التواصل والتأطير والترافع عن قضاياهم، ومواصلة الحزب لمبادراته التواصلية مع المواطنين القائمة على القرب والإنصات والترافع،

أن الوضع الحالي يقتضي تعزيز النموذج الحزبي بتقديم المرشحين الأكفاء والنزهاء للانتخابات المقبلة، والعمل إلى جانب باقي الفرقاء على تطوير التشريع الانتخابي الوطني للحد من الفساد الانتخابي وتوسيع المشاركة المواطنة، خصوصاً مشاركة مغاربة العالم. ويأتي ذلك فضلاً عن التعاون مع الأحزاب السياسية الوطنية من أجل بلورة تعاقد جديد كفيل بإحاطة الاستحقاقات الانتخابية المقبلة بكل الضمانات الكفيلة بربح رهاناتها وتمنيع النموذج الانتخابي المغربي. والتشديد على “ضرورة أن تتحمل كافة الأحزاب السياسية مسؤولياتها، كلها في خندق واحد، من أجل تقديم عرض يزرع الثقة وينمي الأمل، فالحل لدى الاحزاب وفي أيديهم وليس في مكان آخر”.
كما على الحكومة والأحزاب مصالحة المواطن مع السياسة وخلق مؤسسات وقنوات للتنشئة السياسية، وكذلك المصالحة مع المجتمع الذي يحتاج إلى مخرج لمشاكله الاجتماعية. وهنا اشير إلى أن الأحزاب ابتعدت عن وظائفها وأصبحت لا تراعي المواطن، وتعمل في دائرة ضيقة لخدمة مصالح ذاتية على أساس الزبونية و أن هاجس العزوف قائم بقوة، وهو ما يعكسه ما يتم تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي من أفكار ودعوات تسير في هذا الاتجاه، وتخوفي من أن تكون نسبة المشاركة في الانتخابات المقبلة أقل بكثير من نسبة المشاركة في انتخابات 2007





السبت، 4 يوليو 2020

تحليل: دول المغرب بعد الجائحة..

بقلم : د خليفة مزضوضي
روائح موتى فيروس كورونا ما تزال تفوح في مستشفيات بلدان المغرب  والعالم باكمله ، ومخاطر حدوث انتكاسات جراء خروج غير منضبط من الحجر قائمة بقوة. بينما تسابق نخب سياسية واقتصادية الزمن من أجل التموقع في خارطة "جديدة" لم تتضح بعد معالمها!

في دول المغرب الثلاثة، الجزائر والمغرب وتونس، بدأت الاستعدادات لمرحلة الخروج من الحجر الصحي، ورغم وجود مخاوف من حدوث انتكاسات، إلا أن خطاب حكومات دول المنطقة يحمل نبرة انتصار على جائحة كورونا، بل أن الدول الثلاث تتسابق في الحديث عن معجزات تحققت في مكافحتها للفيروس بأقل خسائر ممكنة في الأرواح.
ورغم أن روائح الموت ما تزال تفوح في المستشفيات بدول المنطقة وأجواء الحداد تخيم على كثير من البيوت، وإجراءات الطوارئ الصحية لم ترفع بعدُ، إضافة إلى شعور قطاعات واسعة من السكان بعدم اليقين بتجاوز مرحلة الوباء، فان الطبقة السياسية والنخب النافذة في السياسة والاقتصاد والإعلام، تبدو مندفعة في سجالات تكتسي أحيانا حدة غير مسبوقة، وتكشف خلافات عميقة حول رؤيتها لمستقبل دول المنطقة في مرحلة ما بعد كورونا
خاسرون ورابحون من زمن الجائحة
تداعيات الجائحة على اقتصاديات دول المنطقة تلقي بظلالها على الأوضاع فيها. ففي المغرب أعلن محمد بنشعبون وزير المالية الثلاثاء (19 مايو 2020) أن الحجر الصحي يكلف المغرب يوميا مليار درهم مغربي (اليورو يعادل 11 درهم مغربي). وهو ما يبدو تحذيرا من الصعوبات الاقتصادية التي ستواجهها البلاد، إذا ما طال أمد أزمة كورونا، بحكم العجز الهائل الذي يمكن أن يحدث جراء ارتفاع حجم الخسائر الاقتصادية مقارنة بالموارد التي تم رصدها لصندوق تدبير الأزمة الحالية والتي تبلغ قيمتها 32,7 مليار درهم.

ولم يكن المغاربة ينتظرون جائحة كورونا كي يطلقوا حوارا واسعا حول "النموذج التنموي" للبلاد، بعد عقود من الصعوبات الهيكلية التي اعترت الاقتصاد، بل إن الموضوع قفز في أوج أزمة كورونا إلى سلّم الأولويات في النقاشات الدائرة في الإعلام والمنتديات (الإلكترونية) السياسية والاقتصادية.

ورغم أن الخبراء سواء داخل المغرب أو خارجه، لا يملكون لحد الآن رؤية واضحة حول حجم ومدى تأثيرات الجائحة، فان صانعي القرار المغربي يبدو أنهم يقومون بعملية استباقية لتداعيات عالمية محتملة على مستوى واقع الاقتصاد والاستراتيجيات المعتمدة في التنمية. وقد دعا الوزير السابق شكيب بنموسى رئيس اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي إلى بلورة "مخطط تنموي يستند إلى آليات مبتكرة من أجل تحقيق الإقلاع الاقتصادي". وقد بدأ الحديث من الآن على أولويات مثل التجارة الرقمية والتكنولوجيا واقتصاد الصحة والزراعة والنقل، ومن شأن التغييرات المنتظرة أن تساهم في صعود نخب وطبقة اقتصادية جديدة على حساب الطبقة المتنفذة في قطاعات صناعية تقليدية ترتبط باستثمارات وأسواق عالمية.
ويبدو الاتجاه لتوسيع دور الدولة في الرعاية الاجتماعية، استنتاجا بارزا لدى النخب السياسية والاقتصادية المغاربية، لكنه في المدى المنظور يتوقع أن يأخذ مسارات مختلفة في بلدان المغرب،
ففي تونس فإن الوضع الجديد سيجعل القوى المناوئة لإحداث إصلاحات في الاقتصاد وتحريره وتوسيع دور القطاع الخاص، وعلى رأسها مركزية الاتحاد العام التونسي للشغل، تكسب أوراق ضغط إضافية على حكومة إلياس الفخفاخ التي تشكلت أسابيع قليلة قبل ظهور أزمة كورونا، وكانت تضع في أولوياتها إعادة النظر في أوضاع عدد كبير من المؤسسات العمومية التي تعاني اختلالات أو إفلاس.
وفي حال عدم حدوث إصلاحات اقتصادية فمن شأنه أن يفتح الباب لسيناريو استمرار الحال على ما هو عليه وإدامة نفوذ ثلاثة فئات: أولها ما يطلق عليه في تونس "العائلات" المتنفذة في الاقتصاد، وثانيها فئة تستنفع من الأنشطة الاقتصادية غير المهيكلة والتي تهيمن على حوالي 50 في المائة من اقتصاد البلاد، وثالثها طبقة فاسدة تغلغلت في شرايين الاقتصاد والإدارة والإعلام والسياسية، ويصفها بعض الخبراء بـ"الدولة داخل الدولة".
وهو سيناريو سبق للاتحاد الأوروبي أن حذر من تداعياته على مستقبل الشراكة بين الطرفين.
 أما في الجزائر، حيث ما تزال الدولة تحتفظ بدور اجتماعي أساسي موروث عن النظام الاشتراكي، فإن هذا الدور - على الأقل في طابعه الريعي - لا يمكنه أن يصمد في ظل تراجع الاعتماد على موارد الطاقة التي تعرضت لضربة كبيرة بسبب انهيار أسعار البترول في الأسواق العالمية، حيث يقدر خبراء اقتصاديون في الجزائر حجم الخسائر بأكثر من 2 مليار دولار، خلال ثلاثة أشهر فقط.

ورغم الصدمة الكبيرة التي خلفها الانهيار التاريخي لأسعار البترول في حياة الجزائريين، لا تبدو هناك مؤشرات واضحة في أداء النخب الحاكمة على استعدادات لتغيير نمط التسيير المركزي للاقتصاد والمعتمد بنسبة تبلغ 97 في المائة على عائدات الطاقة، بينما يتم التركيز على تصفية تركة حكم الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، عبر محاكمات ماراثونية لرموز حكمه بتهم الفساد.
تغييرات في أنماط الحكم أم في الأدوار؟
جاءت الجائحة والجزائر في منعطف صعب، فقد نظمت انتخابات رئاسية على وقع احتجاجات غير مسبوقة في البلاد، واستفاد نظام الحكم من تحييد الحراك الشعبي بمنطق "القوة القاهرة للوباء". بيد أن المحاكمات والإجراءات المتعلقة بتصفية تركة حكم بوتفليقة استمرت على قدم وساق رغم الجائحة، كما أقدم الرئيس الجديد المنتخب عبد المجيد تبون على تقديم مشروع تعديلات للدستور تشمل مثلا تحديد العهدات الرئاسية والتشريعية لولايتين فقط، فيما يبدو ظاهريا استجابة لبعض مطالب الحراك.
وبرأي الدكتور محمد هناد أستاذ العلوم السياسية بالجزائر، فإن النخبة الحاكمة أقدمت على هذه الخطوة "من باب فرض الأمر الواقع" في ظل انشغال الناس بالوباء. وتساءل الخبير الجزائري في حوار مع صحيفة "الوطن" الصادرة باللغة الفرنسية في عددها ليوم 18 مايو 2020، "هل هي من السينيقية (cynisme)  ما يجعلها تستغل فرصة انشغال الناس بالوباء لتمرير مشروعها وإدامة عمر النظام المعهود بشكل ما ؟".
وفي المغرب وتونس، حيث تتصاعد حدة الانتقادات للحكومتين التي يهمين فيهما حزبا "العدالة والتنمية" و"النهضة" الإسلاميين، تأخذ المخاضات السياسية في البلدين سياقات متباينة.
ففي المغرب، حيث تلعب المؤسسة الملكية دورا محوريا في النظام السياسي، تلوح مؤشرات على تمهيد الأجواء إلى عودة التكنوقراط للحكومة. ويبدو أن هذا التوجه يطبخ على نار هادئة من خلال الدور الذي تقوم به اللجنة الخاصة للنموذج التنموي، والتي يهيمن فيها عنصر التكنوقراط.
ويتوسع المنحى التكنوقراطي على مستوى القيادات الحزبية نفسها، حتى أن حزبا عريقا مثل حزب الاستقلال ذو التوجه المحافظ والذي يعتبر منافسا رئيسا للإسلاميين في الانتخابات، اختار منذ أشهر على رأسه نزار بركة حفيد الزعيم التاريخي للحزب علال الفاسي، لكنه شخصية قادم من عالم التكنوقراط وكان يتولى منصب رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي

. ويبدو أن تونس من ناحيتها تسابق الزمن كي تكون المختبر الأول للتغييرات السياسية، إذ لم تنتظر النخب السياسية ووسائل الإعلام خروج البلاد من الحجر الصحي، واندفعت في دوامة جدل ساخن، بدأت بحملة مجهولة المصدر عبر مواقع التواصل الاجتماعي تطالب بحل البرلمان والحكومة. وفي مرحلة لاحقة ظهرت مطالب بتغيير النظام السياسي البرلماني برئاسي. ويرصد المراقبون التقاءًا غير مسبوق بين توجهات شعبوية ثورية وأخرى مؤيدة للنظام السابق، حول الدعوة إلى تنظيم استفتاء شعبي لتغيير نظام الحكم. ويرى أصحاب هذه الدعوات أن تغيير نظام الحكم يعد وسيلة ناجعة لحل أزمة الحكم القائمة بسبب صراع الرئاسات الثلاث: رئيس الجمهورية قيس سعيد، ورئيس البرلمان راشد الغنوشي ورئيس الحكومة إلياس الفخفاخ.
ولا يُخفي الرئيس سعيّد نواياه في تغيير نظام الحكم إلى رئاسي، بل انه يدعو إلى تغيير بنية الحكم من تمثيل برلماني إلى نظام مجالسي قائم على قاعدة انتخاب فردية محلية، ينبثق منها مجلس تشريعي. ويشبه في ملامحه ما يطلق عليها "الديمقراطية الشعبية" في بعض الدول الأوروبية، بينما يصف منتقدو الرئيس سعيّد بأن فكرته تشبه نظام "اللجان الشعبية" للزعيم الليبي الراحل معمر القذافي!
ويبدو أن بعض خصوم حزب "النهضة" يرون في هذا الاتجاه خطوة حاسمة لإضعاف دور الحزب الإسلامي، القوة الأولى في البرلمان ورئيسه راشد الغنوشي. ويعتقد عصام الشابي زعيم الحزب الجمهوري المعارض، وأحد أبرز منتقدي حزب النهضة، في حوار له مع إذاعة "شمس" التونسية، بأن حملة المطالبة بتغيير نظام الحكم في الوقت الراهن هي "محاولة من قوى فشلت في الانتخابات لتحقيق ما لم يمكنها تحقيقه عبر صناديق الاقتراع".

ورغم تباين السياقات والمسارات التي تأتي فيها المخاضات ببلدان المغرب الثلاثة، فانها تشترك في بعض الخصائص، ومنها عدم انتظار الخروج من أزمة كورونا، واعتمادها على خطط سبق إعدادها الأزمة الحالية. كما أن محاولات التغييرات التي تطفو على السطح حاليا، لا تأخذ ببعض الخلاصات الأساسية التي تتبلور عالميا بفعل التغيرات التي ظهرت في ظل الأزمة، منها مثلا الدور المتصاعد للرقمنة في الاقتصاد والاعلام والسياسة، ولا يجري الحوار حول البدائل المطروحة لحل المعضلات التي يعاني منها الشباب.
وهنالك عامل آخر يكتسي أهمية استراتيجية في أوضاع بلدان المغرب، ولا يبدو واضحا في معالم التحركات القائمة، ويتعلق الأمر بمستقبل علاقات أو تحالفات دول المنطقة مع التكتلات والقوى الكبرى أو الإقليمية في مرحلة ما بعد الجائحة، وهو عنصر ما يزال في طور المخاض على المستوى العالمي، سواء فيما يتعلق بمجريات الصراع الصيني الأمريكي أو دور الاتحاد الأوروبي وروسيا، وصولا إلى القوى الإقليمية.

الخميس، 2 يوليو 2020

إدارة المغرب ونبرة صاحب الجلالة النيرة لأزمة كورونا محل إعجاب داخليا وخارجيا

بقلم د خليفة مزضوضي
أزمة كوفيد-19 فتحت أعين العالم على اختلاف طرق الإدارة في أوقات الأزمات، وأظهرت عجز كثير من الحكومات أمام فيروس كورونا وتداعياته التي لا يمكن التنبؤ بها، إلا أن أداء المغرب قد أثار الإعجاب داخليا وخارجيا، إلى حد اعتباره نموذجا يحتذى به.
 إن المغرب لم يثر إعجاب المجتمع الدولي فحسب، بل أثار إعجاب المغاربة أنفسهم، وذلك باستغلاله التجارب الأجنبية وعامل الوقت من جهة، وتحديث ورقمنة المؤسسات المغربية التي تتواصل بهدوء، من جهة أخرى.
استغلال عامل الوقت
 إن المغرب لاحظ خطر كوفيد-19 واستغل عامل الوقت من خلال مراقبة انتشاره في إيطاليا والتحكم في الرحلات الجوية القادمة من هناك ومن الدول الأكثر تأثرا، وعندما غزا الوباء أوروبا قرر إغلاق حدوده وإدارة الوباء داخليا.
وكان العامل الاجتماعي مهما ، إذ يجري توصيل الرسالة إلى المواطنين عبر شبكة الحكومة من رؤساء الأحياء، ليفهم الناس قواعد الحجر الصحي ويتسلموا تصاريح الخروج، مدركين جدية الأمور.
وبهذه الإجراءات فهم المغاربة وحدة مصيرهم، وأن وكيل السلطة أيضا مواطن مثلهم، خاصة أنها ترافقت مع إعانات لعمال القطاع غير المصنف، ومساعدات لأكثر الفئات حرمانا، وعناية من قبل الجمعيات بالعائلات التي تواجه صعوبات، مما كشف عن الجانب الإنساني والمتحد من المغرب.
ومن أجل تمويل التدابير وتجهيز مستشفيات جديدة، أعلن الملك محمد السادس إنشاء صندوق لجمع مليار يورو، وقد جمع في غضون أيام قليلة، ثلاثة مليارات يورو، ساهمت فيها المؤسسات العامة والشركات الكبرى وكبار موظفي الخدمة المدنية والشخصيات العامة والمواطنين، كما أطلق العديد من المبادرات الخاصة كشراء معدات للمستشفيات.
 إن المغرب اختار الشفافية وعرض الأحوال كما هي، بعيدا عن إعطاء الآمال الزائفة للمواطنين، وذلك وسط تغطية إعلامية موحدة، تصدر المعلومات إليها حصريا من وزراء الصحة والاقتصاد والمالية والصناعة.
وكان كبار المسؤولين يعدون تقارير عن الواقع ميدانيا لتحول مباشرة إلى القصر الملكي والحكومة، حتى تكون لدى أصحاب القرار على الفور صورة حقيقية عن الوضع، 
واستفاد المغرب من الوقت، حيث حل مشكلة المعدات، فتضاعف عدد أسرة الإنعاش في وقت قياسي بتمويل من صندوق كوفيد-19، كما مكّن الإنتاج الوطني للأقنعة والملابس الواقية والأجهزة من اكتفاء البلد ذاتيا، مما جنبه الدخول في التنافس العالمي الشديد للحصول على هذه المنتجات الغالية والنادرة.
عامل المبادرة والتخطيط
بالإضافة إلى ذلك، أنشئت وحدات طبية في غضون أيام قليلة، مثل المستشفى العسكري في بنسليمان ومستشفى آخر به 700 سرير في معرض الدار البيضاء، وقد خصصت صناعة النسيج لحاجة اللحظة من الأقنعة وملابس العمل ومنعت أي إنتاج آخر، كما كانت الشراكة بين القطاعين العام والخاص على أشدها.
وفي أوج النقص العالمي للأقنعة، كانت شركات النسيج المغربية المدعومة من وزارة الصناعة قادرة على تصنيع خمسة ملايين قناع في اليوم، تفي بالمعايير الدولية، كما قام آخرون بتصميم أجهزة تنفس، مما سمح بأسعار منخفضة أقل من 200 يورو لكل جهاز.
وتتمثل قوة المغرب  في أنه حافظ على الصناعة لسوقه الداخلية الأصغر حجما وسوقه الأفريقية الأكبر حجما والأقل ربحا، وهو ما لم تستطعه فرنسا، كما أنه لم يعد "معتمدا على أوروبا"، خاصة أن اتفاقياته مع الولايات المتحدة وروسيا والصين والشرق الأوسط تمكنه من اللجوء إذا لزم الأمر لشركاء متنوعين.
 أن المغرب يستعد الآن لما بعد وباء كورونا، واعيا بالتغيرات المهمة التي تحدث في العالم، والتي ستؤثر حتما في العلاقات الدولية والإقليمية.