بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي.
عقد مجلس الأمن الدولي جلسة طارئة في 13 يونيو 2025، بطلب من إيران، عقب الضربات الجوية الواسعة التي شنّتها إسرائيل ضد منشآت نووية وعسكرية داخل الأراضي الإيرانية. وصفت طهران الهجوم بأنه "عدوان سافر" و"إعلان حرب"، فيما بررت إسرائيل ما قامت به بأنه "دفاع استباقي مشروع" ضد ما وصفته بالتهديد الإيراني المتزايد. وكالعادة، انقسمت المواقف؛ فروسيا والصين أدانتا الهجوم ودعتا لضبط النفس، بينما دعمت الولايات المتحدة إسرائيل، ما حال دون صدور أي قرار أو حتى بيان عن المجلس.
لقد أظهر هذا الهجوم وما تبعه من جلسة مجلس الأمن انقسامًا واضحًا في مواقف دول العالم؛ حيث أعلنت بعض الدول تضامنها الكامل مع إيران باعتبارها الضحية لعدوان غير مبرر، بينما ساندت دول أخرى إسرائيل بزعم الدفاع عن النفس. وقد كشف هذا المشهد عن اختلال المعايير الدولية، وأكد أن الانقسام لا يقتصر على المواقف السياسية، بل يمتد إلى الضمير الدولي ذاته.
ولو كانت الأمم المتحدة تقف على مسافة واحدة من الجميع، وتسعى بالفعل لتحقيق الأمن والاستقرار ونشر قيم المحبة والسلام، لأحسنت استخدام آلياتها المتاحة في فضّ النزاعات واحتواء الأزمات، لا أن تقف موقف المتفرّج أو تميل ضمنيًا نحو طرف على حساب آخر. إن الكيل بمكيالين، وتجاهل معاناة الشعوب الضعيفة، هو ما يُشعل الصراعات ويُعمّق الإحساس بالظلم وغياب العدالة، ويفاقم التوتر في مختلف أنحاء العالم.
حين تأسست منظمة الأمم المتحدة عام 1945، بشّر كثيرون بميلاد عهد جديد من السلم الدولي والعدالة الجماعية، لكن التجربة التاريخية أثبتت أن هذه المؤسسة ظلت –في معظم الأوقات– مرتهنة لموازين القوى ومصالح الدول الكبرى، أكثر مما كانت انعكاسًا حقيقيًا لقيم الإنصاف والمساءلة.
لقد تحوّلت الأمم المتحدة تدريجيًا إلى أداة لتكريس واقع الهيمنة الدولية، لا سيما في ظل وجود "حق النقض – الفيتو" الذي تمتلكه خمس دول فقط، ما يجعل مصير قرارات المجلس مرهونًا بإرادة هذه القوى، مهما بلغت جسامة القضايا أو وضوح الانتهاكات.
وليس من باب المبالغة القول إن الأمم المتحدة وقفت عاجزة –أو متواطئة أحيانًا– في وجه كبرى الكوارث الإنسانية التي شهدها العالم خلال العقود الماضية. ويكفي استعراض بعض المحطات:
في أفغانستان، تعرّضت الدولة لاحتلال مباشر، سقط فيه آلاف القتلى من المدنيين، قبل أن تنسحب القوات الغازية دون محاسبة.
في العراق، تم اجتياحه بذريعة امتلاك أسلحة دمار شامل لم تثبت، وما تلاه كان دمارًا ممنهجًا لمقدرات دولة وشعب بأكمله.
في اليمن، تواصلت الضربات والتجويع الجماعي، ولم تكن استجابة المنظمة الدولية سوى إصدار بيانات قلق وتوثيق أعداد الضحايا.
في ليبيا، تم تمرير قرارات دولية استُخدمت غطاءً لتدخل عسكري دمّر البلاد وأغرقها في فوضى مستمرة حتى اليوم.
في فلسطين ولبنان والجولان، تكررت الانتهاكات الإسرائيلية دون ردع حقيقي، إذ غالبًا ما يجهض "الفيتو" الأمريكي أي قرارات تُدين تل أبيب.
فأما الأقليات المسلمة في الهند، فكثيرًا ما تتعرض للتمييز والعنف، دون موقف فعّال من المنظمة، لاعتبارات تتعلق بالمصالح الدولية.
تتحرك الأمم المتحدة عندما يكون ذلك منسجمًا مع توجهات القوى الكبرى، كما حدث في حرب الخليج الأولى، أو في التدخل العسكري في ليبيا، أو محاولات الضغط على الصين وروسيا. لكنها تتجاهل صراخ الضحايا عندما يتعارض ذلك مع إرادة الكبار.
والمثال الأوضح هو ما حدث في 2024، حين رفعت جنوب إفريقيا وعدة دول أخرى دعوى ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية تتهمها بارتكاب جرائم إبادة في غزة. ورغم صدور حكم دولي يدين الانتهاكات، لم تُتخذ إجراءات رادعة، لأن القرارات ظلت حبيسة الأدراج تحت مظلة الحماية السياسية الممنوحة من واشنطن.
الحقيقة التي لم يعد من الممكن إنكارها، أن الأمم المتحدة تعاني من خلل هيكلي جوهري. فحق النقض (الفيتو )لا يُعطل العدالة فقط، بل يصادر إرادة المجتمع الدولي، ويمنح الدول الكبرى قدرة على التحكم في مصير الشعوب الأخرى.
وأخيراً أقول ما لم يُلغَ حق النقض، وما لم تُعد صياغة منظومة القرار الدولي بما يضمن تمثيلًا عادلًا لجميع الشعوب، ستظل الأمم المتحدة أداة تستخدمها القوى الكبرى حينًا، وتتجاهلها حينًا آخر، بينما تبقى الشعارات عن القانون الدولي وحقوق الإنسان بلا أثر حقيقي على الأرض.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق