الثلاثاء، 23 سبتمبر 2025
قال : انا خير منه
بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .......
أول كبرياء ظهر في تاريخ الوجود الإنساني كان كبرياء إبليس حين أمره الله سبحانه وتعالى بالسجود لآدم عليه السلام، فقال عز وجل:
«وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ» (البقرة: 34).
فقد اعترض إبليس معجبًا بنفسه، محتجًا بأن مادته من النار أرفع من طين آدم، فقال: «أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ ۖ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ» (الأعراف: 12). وكانت هذه الكلمة هي أول إعلان عن الكبر والغرور، ومصدر البلاء والفتنة.
لقد علّمنا هذا الموقف أن الكبرياء أصل البلاء؛ فإبليس طُرد من رحمة الله واستحق اللعنة الأبدية لأنه تكبّر واستكبر عن أمر ربه. قال تعالى: «فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ بِغُرُورٍ» (البقرة: 36)، ليبيّن أن الغرور والكبر لا يؤديان إلا إلى الخسارة والسقوط. وهكذا كان خروج آدم من الجنة نتيجة استماعه لوسوسة إبليس، ليظل الصراع قائمًا بين الإنسان والشيطان إلى يوم القيامة.
ومن هذا المشهد ندرك أن طبيعة الإنسان تتأرجح بين الطاعة والغرور، فآدم لم يُخرج لأنه أقل شأنًا، وإنما لأنه أطاع إبليس ولم يثبت أمام وسوسته. وهذه عبرة بليغة: فمتى غاب التواضع، وانحرفت الطاعة، ضاع الأمن الروحي وانهار السلوك الإيماني.
وقد جاء الإسلام ليؤكد خطورة الكبر في الدنيا والآخرة، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر» (رواه مسلم).
وهذا تحذير صريح من أعظم مرض روحي يصدّ صاحبه عن الهداية ويبعده عن رحمة الله. كما قال تعالى: «وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ» (لقمان: 18)، ليربط التواضع بالسلوك الاجتماعي، ويحذر من التفاخر والغرور.
والحقيقة أن آثار الكبرياء لا تقف عند إبليس، بل تتكرر في حياتنا اليومية حين يقول الإنسان: «ألا تعرف من أنا؟» أو «أنا ابن فلان» أو «منصبي ومالي يرفعانني فوق الناس». إنها صورة حديثة من قول إبليس «أنا خير منه»، والنتيجة واحدة: استصغار الآخرين، قطع سبل التوبة، وإشعال الفتن والعداوات، كما حدث بين قابيل وهابيل حين قتل الأخ أخاه حسدًا وغرورًا.
ولكي نحصّن أنفسنا من مغريات الكبر، لا بد من عدة أمور:
التربية على الذكر والاعتراف بالحق، فالمداومة على ذكر الله والتفكر في خلقه يذلّل القلب ويذكّر الإنسان بضعفه، قال تعالى: «وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا» (النساء: 28).
التفكر في الموت والآخرة، فالإنسان مخلوق من ماء مهين، وسينتهي إلى قبر لا يرافقه فيه مال ولا جاه، بل يأكله الدود ويُنسى سريعًا.
الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي كان أعظم مثال للتواضع، فقد قال: «أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد»، ولم يتكبر على أحد رغم علو شأنه.
محاسبة النفس والتوبة، فالتواضع يبدأ من مراجعة القلب والاعتراف بالخطأ، والعودة إلى الله خاشعين.
وفي الختام، فإن كل من يرفع رأسه متفاخرًا ويقول: «أنا خير منه» إنما يسير في طريق إبليس. تذكّر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» (رواه مسلم). فالكرامة الحقيقية ليست في الجاه ولا في النسب، بل في التقوى وخشية الله.
فهل ما زلت تقتدي بإبليس؟ أم تختار طريق التواضع الذي يرفع الله به عباده؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تواضع لله رفعه». فمن تكبّر هلك، ومن تواضع نجا.
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق