الثلاثاء، 24 فبراير 2026

الشيخ المكي الناصري عالم مصلح ورائد من رواد الحركة الوطنية المغربية



بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية .

 الشيخ المكي الناصري عالمٌ مصلح ورجل دولة في سياق الحركة الوطنية المغربية

مقدمة

يُعدّ الشيخ المكي الناصري (24 شوال 1324هـ / 11 دجنبر 1906 – 29 ذو القعدة 1414هـ / 10 ماي 1994) من أبرز رموز الإصلاح الديني والحركة الوطنية المغربية في القرن العشرين. جمع بين التكوين الشرعي العميق، والانفتاح على الفكر العربي الحديث، والتفاعل مع الثقافة الغربية، فشكّل نموذجاً للمثقف العضوي الذي أسهم في معركة التحرر الوطني وبناء الدولة المغربية الحديثة. وتتنوع إسهاماته بين الدعوة السلفية الإصلاحية، والعمل السياسي الوطني، والتأليف، والعمل الحكومي والدبلوماسي.

أولاً: السياق التاريخي والفكري

عاش الشيخ في مرحلة دقيقة من تاريخ المغرب، تميزت بفرض نظام الحماية الفرنسية سنة 1912، وما رافقه من تحولات سياسية وثقافية عميقة. وقد برزت في تلك المرحلة حركة إصلاحية متأثرة بمدرسة السلفية الإصلاحية في المشرق، خاصة بأفكار:

محمد عبده

رشيد رضا

وقد كان للمغرب رواده الإصلاحيون الذين سعوا إلى مقاومة الاستعمار ثقافياً ودينياً، عبر إصلاح التعليم ومحاربة البدع والخرافات، وربط النهضة الدينية بالتحرر السياسي.

ثانياً: النشأة والتكوين العلمي

وُلد الشيخ بالرباط في بيت علم ودين، ونشأ في بيئة محافظة مشبعة بروح الوطنية. تلقى تعليمه الأولي على أيدي علماء المغرب، ومن أبرز شيوخه:

الحافظ أبو شعيب الدكالي

محمد المدني بن الحسني

الحاج محمد الناصري

محمد بن عبد السلام السائح

كما انفتح على الفكر العربي الحديث، فتتلمذ على علماء من المشرق العربي مثل:

مصطفى عبد الرازق

عبد الوهاب عزام

يوسف كرم

ولم يقتصر تكوينه على الدائرة الإسلامية، بل احتك بعدد من المستشرقين والفلاسفة الغربيين، منهم:

كارلو ألفونسو نللينو

إغناسيو جويدي

أندريه لالاند

وهذا التكوين المتنوع منح الشيخ قدرة على الحوار الحضاري، وجعله يتبنى خطاباً إصلاحياً عقلانياً يجمع بين الأصالة والمعاصرة.

ثالثاً: النشاط الإصلاحي والفكري

بدأ نشاطه الفكري مبكراً، فألّف سنة 1922 كتابه الأول «إظهار الحقيقة وعلاج الخليقة»، الذي دعا فيه إلى تنقية العقيدة من الخرافات والبدع، في إطار توجه سلفي إصلاحي معتدل.

وكان من مؤسسي:

«الرابطة المغربية» (1920) – كأول تنظيم سري لمقاومة الاحتلال

«جمعية أنصار الحقيقة» (1925)

مثّلت هذه المبادرات انتقالاً من الإصلاح الديني البحت إلى الإصلاح الوطني السياسي، حيث رأى أن تحرير الإنسان فكرياً شرط لتحرير الوطن سياسياً.

رابعاً: دوره في الحركة الوطنية

يُعد الشيخ من رجالات الحركة الوطنية الأوائل، وقد ساهم في بلورة الوعي السياسي الوطني. ومن أبرز محطاته:

الدفاع عن استقلال المغرب في المحافل الدولية.

الترافع عن القضية المغربية في أوروبا.

المشاركة في تقديم شكاية المغرب إلى الأمم المتحدة سنة 1952 ضد سلطات الحماية.

وقد ترتب عن نشاطه نفيه ومنعه من دخول المناطق المغربية، وظل في المنفى أكثر من أربع سنوات إلى حين عودة السلطان الشرعي:

محمد الخامس

وتُظهر هذه المرحلة تلازم الدعوة والإصلاح مع النضال السياسي في مشروعه الفكري.

خامساً: العمل الحكومي والدبلوماسي

بعد الاستقلال، أسندت إليه مناصب سامية، منها:

سفير المغرب بليبيا

وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية

وزير الثقافة

رئيس المجلس العلمي بولاية الرباط وسلا

وقد أسهم في تنظيم الحقل الديني، وتأطير المؤسسات العلمية، وتعزيز حضور الثقافة الإسلامية في السياسات العمومية.

سادساً: منهجه في التفسير والدعوة

كان الشيخ مفسراً للقرآن الكريم، واعتمد في منهجه على:

الجمع بين التفسير بالمأثور والنظر العقلي.

ربط النص القرآني بقضايا المجتمع المعاصر.

إبراز القيم الإصلاحية والاجتماعية في القرآن.

وقد كان خطابه يتسم بالاعتدال، بعيداً عن الغلو، مع التركيز على التربية والإصلاح المجتمعي.

سابعاً: تقييم أكاديمي لشخصيته وإرثه

يمكن تحليل شخصية الشيخ المكي الناصري من خلال ثلاث دوائر متكاملة:

1. دائرة الإصلاح الديني

امتداد لمدرسة السلفية الوطنية المغربية التي جمعت بين العقيدة الأشعرية والفقه المالكي وروح التجديد.

2. دائرة النضال الوطني

نموذج للمثقف المناضل الذي لم يفصل بين الدين والوطن.

3. دائرة بناء الدولة

مساهم في هندسة السياسة الدينية والثقافية للدولة المغربية بعد الاستقلال.

خاتمة

إن الشيخ المكي الناصري يمثل نموذجاً فريداً للعالم المصلح الذي عاش همّ الأمة ديناً ووطنًا. جمع بين العلم والعمل، والدعوة والنضال، والفكر والسياسة. وقد ترك أثراً عميقاً في مسار الحركة الوطنية المغربية، وفي بناء المرجعية الدينية الرسمية للمغرب المعاصر.

رحم الله الشيخ المكي الناصري، وجزاه عن وطنه ودينه خير الجزاء.

الأحد، 22 فبراير 2026

البلاء والإبتلاء في الفكر الإسلامي : دراسة في البعد الوجودي والتربوي للمعاناة الإنساانية

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .المنسق الوطني للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية.

مقدمة

يُعدّ موضوع البلاء والابتلاء من القضايا المركزية في البناء العقدي والتربوي في الإسلام، لما له من ارتباط وثيق بمفهوم الإيمان، والقدر، والحكمة الإلهية، وسير الإنسان نحو الكمال الروحي والأخلاقي. فالبلاء ليس مجرد حدث عارض في حياة الإنسان، بل هو سنّة كونية إلهية جارية في الخلق كافة، أفرادًا وجماعات. ويهدف هذا البحث إلى تقديم معالجة أكاديمية موسعة لمفهوم البلاء والابتلاء، من حيث دلالتهما اللغوية والاصطلاحية، وأبعادهما العقدية، وأنواعهما، وحِكمهما، وآثارهما التربوية والاجتماعية، مدعومًا بالنصوص القرآنية والحديثية وأقوال العلماء.

أولاً: المفهوم اللغوي والاصطلاحي

1. البلاء في اللغة

البلاء مشتق من الفعل "بلا" بمعنى اختبر وامتحن. جاء في لسان العرب: "بلاه الله بلاءً أي اختبره وامتحنه". والبلاء قد يكون بالخير أو بالشر.

2. البلاء في الاصطلاح الشرعي

البلاء هو: ما يقدّره الله تعالى على عباده من خير أو شر بقصد الاختبار والتمحيص ورفع الدرجات أو التكفير عن السيئات.

وقد أشار القرآن إلى هذا المعنى في قوله تعالى:

﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾

(سورة الأنبياء: 35)

فدلّ النص على أن الابتلاء يشمل النعمة كما يشمل المصيبة.

ثانياً: الابتلاء سنة كونية عامة

الابتلاء قانون إلهي شامل لا يستثني أحدًا، حتى الأنبياء عليهم السلام، بل هم أشد الناس ابتلاءً.

1. ابتلاء الأنبياء

أيوب: ابتُلي في جسده وماله وأهله، فكان مثالًا للصبر.

قال تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ (ص: 44).

إبراهيم: ابتُلي في عقيدته، وولده، ووطنه، وماله.

قال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ (البقرة: 124).

محمد ﷺ: تعرّض للأذى والاضطهاد والحروب وفقد الأحبة.

قال ﷺ:

«أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل» (رواه الترمذي).

ثالثاً: أنواع البلاء

1. البلاء بالشر (المحن والمصائب)

كالفقر، المرض، الخوف، فقدان الأحبة.

قال تعالى:

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ...﴾ (البقرة: 155)

2. البلاء بالخير (النعم)

كالمال، السلطة، الصحة، الجاه.

قال تعالى:

﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ﴾ (الفجر: 15)

وهذا النوع أشد خطورة؛ لأنه قد يؤدي إلى الغرور والطغيان إن لم يُقابل بالشكر.

رابعاً: الحكم والمقاصد من الابتلاء

1. تحقيق العبودية الخالصة

الابتلاء يكشف حقيقة الإيمان ويميز الصادق من المدّعي.

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ (العنكبوت: 2)

2. تمحيص الذنوب وتكفير السيئات

قال ﷺ:

«ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب... حتى الشوكة يشاكها إلا كفّر الله بها من خطاياه» (متفق عليه).

3. رفع الدرجات

قد يبتلي الله عبده ليبلغه منزلة لا يصلها بعمله فقط.

4. التربية الروحية

البلاء يربي النفس على:

الصبر

التوكل

الرضا

الزهد في الدنيا

خامساً: الفرق بين البلاء والعقوبة

ليس كل بلاء عقوبة.

الضابط في ذلك:

إن قاد البلاء إلى التوبة والرجوع إلى الله فهو رحمة.

وإن قاد إلى التمادي في الغفلة فهو استدراج.

قال تعالى:

﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: 182)

سادساً: الموقف الشرعي من البلاء

1. الصبر

قال تعالى:

﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر: 10)

2. الرضا بالقضاء

وهو مرتبة أعلى من الصبر.

3. الدعاء والأخذ بالأسباب

لا يتعارض الصبر مع طلب العلاج أو السعي لتغيير الواقع.

سابعاً: الأبعاد الاجتماعية للبلاء

تقوية روح التكافل

تنمية التعاطف المجتمعي

إعادة ترتيب الأولويات

اختبار صلابة الأمم

وقد شهد التاريخ الإسلامي ابتلاءات جماعية (كالمجاعات والحروب) كانت سببًا في نهضة روحية وفكرية.

ثامناً: البلاء في ضوء الفكر الإسلامي المقارن

يرى علماء العقيدة مثل أبو حامد الغزالي أن البلاء يحمل في باطنه أسرارًا تربوية قد لا يدركها العقل الجزئي.

كما ناقش ابن تيمية مفهوم الابتلاء باعتباره من لوازم العبودية وتمام المحبة لله، واعتبر أن المصيبة قد تكون نعمة في حقيقتها.

تاسعاً: البلاء بين القضاء والقدر

الإيمان بالابتلاء مرتبط بالإيمان بالقضاء والقدر، وهو أحد أركان الإيمان الستة.

فالإنسان مأمور بالسعي والعمل، مع التسليم بأن النتائج بيد الله.

عاشراً: خاتمة

يتضح من خلال هذا العرض أن البلاء والابتلاء ليسا مظاهر عبثية في الحياة، بل هما جزء من نظام إلهي دقيق يهدف إلى تهذيب النفس، وتمحيص الإيمان، ورفع الدرجات، وإعداد الإنسان لدوره الاستخلافي في الأرض. فالبلاء مدرسة إيمانية عميقة، به تتمايز النفوس، وتترقى الأرواح، وتتحقق العبودية الحقة لله تعالى.

أهم النتائج

البلاء يشمل الخير والشر معًا.

الابتلاء سنة إلهية عامة تشمل الأنبياء والصالحين.

البلاء ليس دائمًا عقوبة، بل قد يكون رحمة.

الموقف الصحيح من البلاء هو الصبر والرضا مع الأخذ بالأسباب.

للبلاء أبعاد فردية واجتماعية وحضارية .

الخميس، 12 فبراير 2026

مفاوضات مدريد قراءة سياسية إستشرافية في إنتقال أدوات حسم نزاع الصحراء المغربية وتنزيل الحكم الذاتي.


 بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!

تندرج اليوم مفاوضات مدريد ضمن مسار إستراتيجي دقيق وعميق، مسار جديد ينقل ملف الصحراء من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة حسم موازينها التي أكدها القرار 2797. فالنزاع المفتعل لم يعد قابلا للتدوير الدبلوماسي أو الإختباء وراء صيغ مفاهيمية مستهلكة، ولا حتى التأطير داخل سردية ما سمي بتصفية الاستعمار، والتي استهلكت دوليا وفقدت قدرتها على الإجماع و الإقناع. فالجلوس على طاولة واحدة و تحت رعاية أمريكية مباشرة وبحضور الأمم المتحدة، يؤسس لتحول نوعي في تعريف أطراف النزاع وحدود أدوارهم، وينقل الجزائر من موقع الإدعاء السياسي إلى موقع المساءلة القانونية، ويسقط وبشكل عملي فرضية "الغير معني" أو "الطرف الملاحظ" التي تمسكت بها لسنوات.


إن التحول الجوهري الذي كرسه لقاء مدريد يتمثل بالأساس في إنتقال النقاش من صراع حول المرجعيات إلى تدبير تقني للحل. فقبول الوثيقة المغربية حول التنزيل العملي لمقترح الحكم الذاتيو بصيغتها المحينة، كأساس وحيد للنقاش يشكل قطعا نهائيا مع منطق تعدد المقترحات الذي أستخدم في مراحل سابقة لإطالة أمد النزاع. فلم يعد السؤال المطروح هو مشروعية الحكم الذاتي من عدمها، بل كيفية تنزيله داخل إطار السيادة المغربية، وهو إنتقال من المجال الإيديولوجي إلى المجال التنفيذي الواقعي، حيث يمتلك المغرب مقومات التفوق المؤسساتي و القانوني الواضح والصريح، مقومات مدعومة بتراكمات دبلوماسية طويلة وشرعية ميدانية لا ينازعها أحد، والتي يكتسي فيها القرار الأممي 2797 دلالة إستشرافية خاصة، لأن قرار 31 أكتوبر 2025، لا يراهن فقط على إدارة الوقت بقدر ما يختبر الإرادات السياسية الحقيقية للأطراف المعنية بالنزاع. الجزائر التي تجد نفسها اليوم أمام معادلة غير مسبوقة، فإما أن تنخرط بشكل جدي في مسار تفاوضي واقعي يقود إلى حل سياسي نهائي، أو تتحمل تكلفة التعطيل في سياق دولي لم يعد يتسامح مع بؤر التوتر المصطنعة والمفتعلة، خاصة في منطقة شمال إفريقيا والساحل، والتي أضحت تتطلب العمل على إستقرارها كشرطا استراتيجي دولي لمعادلات أمنية وإقتصادية كبرى.

إن إحداث لجنة تقنية دائمة بإشراف أمريكي و أممي لا يمكن إعتباره مجرد إجراء إجرائي محايد، بل أنها تمثل ذلك الإنتقال التدريجي من منطق الوساطة الأممية التقليدية والتي إستنفدت جميع أدواتها، إلى منطق الرعاية السياسية الأمريكية. هذا التطور الذي يعكس قناعة واشنطن بأن إدارة النزاع عبر آليات أممية فضفاضة لم تعد مجدية، للانتقال من موقع الداعم إلى موقع الضامن، بما يرفع كلفة المناورة والتراجع، خصوصا بالنسبة للجزائر التي بنت إستراتيجيتها لعقود على كسب الوقت وإعادة إنتاج الجمود.

 و الأهم في مخرجات مدريد يتمثل في الاتفاق الإجرائي على خارطة طريق مدريد واشنطن 2026، بما تتضمنه من أفق زمني للتوقيع على اتفاق إطار سياسي و لأول مرة يؤطر زمن مسار التفاوض تحت رعاية القوة الولايات المتحدة الأمريكية، لا ضمن مسار أممي مفتوح على التأجيل والتمطيط. هذا التطور الذي يحد من هوامش التعطيل التي مافتأت الجزائر تدفع بها، ويحول أي محاولة للعرقلة إلى عبئ سياسي مباشر على الطرف الذي يفتقر إلى بدائل واقعية. فمشهد مدريد يحمل في طياته رسائل عميقة و في أدق تفاصيلها البروتوكولية والتي حملت رسائل سياسية عميقة من خلال رفض الصورة الجماعية التي لم تكن مجرد إجراء شكلي، بل تعبير عن قلق جزائري من دلالاتها الرمزية السياسية، وإدراك منها بأن أي صورة مشتركة ستقرأ دوليا بأنها إعتراف ضمني بمركزية المغرب في الحل، وبإنتقال الجزائر من موقع الداعم الخارجي إلى موقع الطرف المعني بالنزاع. وهو هروب بصري من صورة جماعية هو بالأساس هروب من واقع سياسي يتكرس داخل قاعة التفاوض مهما تم إنكاره خارجها.

إن معركة المصطلحات التي أنهتها طاولة مدريد وخاصة حول مفهوم تقرير المصير تؤكد أن الجزائر تخوض اليوم معركة لغوية أكثر منها سياسية حين يحاصر مفهوم تجاوزه قرار مجلس الأمن 2797 داخل أفق الحكم الذاتي، لينهي تلك الصيغة الكلاسيكية التي تتمسك بها الجزائر، ولتتحول إلى شعار مستهلك بلا آليات تنفيذية واقعية، و في عالم لم يعد يتعامل مع النزاعات بمنطق الشعارات، بل بمنطق الإستقرار والنجاعة.

في المقابل تقف المملكة المغربية داخل هذا المسار الجديد كقوة هادئة لا تقوم على الإستعراض، بل على تثبيت المرجعية وفرض الإطار العام للحل ،المغرب الذي لم يعد في حاجة إلى تقديم أي تنازلات جديدة ،والذي حول المفاوضات من نقاش حول السيادة إلى نقاش حول كيفية تدبيرها، الأمر الذي منحه هامش مناورة ديبلوماسية واسعة، ليجعل أي فشل محتمل للمحادث عبئا سياسيا على الطرف الآخر. 

و مع كل ماسبق حول مفاوضات مدريد فإن أي قراءة إستشرافية لها تفرض منا حيزا من الحذر السياسي ، فالإنتقال من منطق التصعيد إلى منطق التفاوض لا يعني بالضرورة وجود تحول عميق في العقيدة السياسية الجزائرية، فقد نشهد محاولات لإفراغ الحوار من محتواه لإعادة إنتاج التعنت داخل قاعة المفاوضات. غير أن هذا السيناريو و حتى إن أمكن له التحقق، لا يغير من حقيقة أساسية وهي أن مجرد إنعقاد لقاء مدريد يؤسس لسابقة سياسية يصعب التراجع عنها، ويكرس أن الحل لم يعد ممكنا إلا عبر الجزائر وبموافقتها الصريحة على إنهاء النزاع.

ختاما، مفاوضات مدريد ليست محطة الحسم النهائي لكنها لحظة كاشفة بامتياز و لحظة سقوط آخر الأقنعة وبداية مرحلة جديدة تدار فيها قضية الصحراء بمنطق الوقائع لا الأوهام والأساطير، بداية مفاوضات تدار بميزان القوى لا بشعارات السبعينيات. من هذه المنطلق لم تعد السيادة المغربية موضوع تفاوض بل أصبحت الإطار الذي تدار داخله المفاوضات نفسها، وما عدا ذلك ليس سوى مجرد تفاصيل في طريق إغلاق أحد أطول النزاعات المفتعلة في المنطقة، مع ميل واضح لميزان التحول الإستراتيجي لصالح الطرح المغربي ودخول الجزائر مرحلة دقيقة تتقلص فيها هوامش المناورة وتتسع فيها كلفة الرفض.

الأحد، 8 فبراير 2026

الانفعال في السياسة المعاصرة : البكاء كخطاب وهمي غير لغوي داخل التنظيمات الحزبية



بقلم :  خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!

هل أصبح بكاء السياسيين في الاجتماعات فِطرة؟

بين البعد الإنساني، والخوف الوجودي، والبكاء على السلطة والمناصب

مقدّمة

عرف الحقل السياسي، تاريخيًا، ارتباطه بالعقلانية، والحسابات الباردة، وضبط الانفعال، باعتبار السياسة مجالًا لإدارة الصراع والمصلحة والقوة. غير أنّ السنوات الأخيرة شهدت تحوّلًا لافتًا في المشهد السياسي العالمي والعربي، تمثّل في ظهور البكاء كفعل سياسي علني داخل الاجتماعات والملتقيات الحزبية والرسمية.

هذا التحوّل يطرح إشكالًا مركزيًا:

هل نحن أمام عودة “الفطرة الإنسانية” إلى الفعل السياسي؟

أم أمام بكاءٍ وظيفيٍّ مرتبط بالخوف من فقدان السلطة والمكانة؟

أم أنّه تعبير عن قلق وجودي عميق في زمن اهتزاز اليقين السياسي؟

أولًا: البكاء في السياسة – من السلوك الإنساني إلى الفعل الرمزي

من منظور أنثروبولوجي، يُعدّ البكاء استجابة إنسانية فطرية للضغط، الفقد، الخوف، أو العجز. غير أنّ انتقاله إلى المجال السياسي يحوّله من فعل تلقائي إلى سلوك دلالي مشحون بالرمزية.

في السياسة، لا يُقرأ البكاء بوصفه دموعًا فقط، بل بوصفه:

رسالة إلى القاعدة الحزبية

تعبيرًا عن أزمة قيادة

أو محاولة لاستدرار التعاطف وإعادة الشرعية

وهنا يصبح البكاء خطابًا غير لغوي، يخضع للتأويل مثل الخطب والبيانات.

ثانيًا: بكاء على الكراسي والمناصب – خوف النخب من السقوط

يرتبط جزء كبير من بكاء السياسيين المعاصرين بما يسميه علماء السياسة: “قلق فقدان الامتياز” (Anxiety of Power Loss)

1. السلطة كهوية

بالنسبة لكثير من السياسيين، لم تعد السلطة وظيفة مؤقتة، بل:

مصدرًا للهوية

ضمانًا اجتماعيًا

أداة نفوذ رمزي ومادي

وعليه، فإن التهديد بفقدان المنصب يُترجم نفسيًا إلى:

إحساس بالفراغ

خوف من التهميش

انهيار صورة الذات السياسية

في هذه الحالة، يكون البكاء بكاءً على الذات السلطوية أكثر منه على الوطن أو المشروع السياسي.

2. هشاشة الشرعية

حين تضعف الشرعية الانتخابية أو الأخلاقية، يلجأ السياسي إلى:

العاطفة بدل البرنامج

الدموع بدل الرؤية

الاستعطاف بدل الإقناع

فيتحول البكاء إلى آلية دفاع سياسي في لحظة العجز.

ثالثًا: البكاء كخوف مما هو آتٍ – السياسة في زمن اللايقين

لا يمكن فصل ظاهرة بكاء السياسيين عن السياق العالمي العام، الموسوم بـ:

الأزمات الاقتصادية

تصاعد الاحتجاجات

تآكل الثقة في الأحزاب

صعود الشعبوية

في هذا السياق، يظهر ما يسميه زيغمونت باومان: “الخوف السائل”

وهو خوف غير محدد المصدر، لكنه دائم الحضور.

1. الخوف من المحاسبة

في كثير من الحالات، يكون البكاء تعبيرًا غير مباشر عن:

خوف من المساءلة التاريخية

قلق من المحاكمات السياسية أو الأخلاقية

إدراك متأخر لفشل المشروع أو الخطاب

2. نهاية اليقين الحزبي

لم تعد الأحزاب فضاءات أمان كما كانت، بل:

كيانات متآكلة

هويات متصدعة

تنظيمات مهددة بالانقسام

فيبكي السياسي لا لأنه ضعيف، بل لأنه يدرك أن المستقبل لم يعد مضمونًا.

رابعًا: البكاء بين الصدق والتوظيف الشعبوي

من المهم التمييز بين نوعين من البكاء السياسي:

1. بكاء صادق (نادر)

نابع من صدمة أخلاقية حقيقية

مرتبط بلحظات اعتراف أو مراجعة

لا يُستثمر إعلاميًا بشكل فجّ

2. بكاء مُوظَّف (الأغلب)

يحدث أمام الكاميرات

يُعاد تدويره إعلاميًا

يُستثمر انتخابيًا أو تنظيميًا

هذا النوع الأخير يندرج ضمن ما يسمى: “شعبوية العاطفة”

حيث تُستبدل البرامج السياسية بالمشاعر الجياشة.

خامسًا: هل أصبح البكاء فطرة سياسية جديدة؟

لا يمكن القول إن البكاء أصبح “فطرة” بالمعنى الطبيعي، لكنه تحوّل إلى:

أداة سياسية مشروعة

وسلوك مقبول داخل الحقل السياسي

ولغة جديدة في زمن أزمة الخطاب العقلاني

إنه مؤشر على:

تراجع السياسة كفنّ للتدبير

صعود السياسة كدراما عاطفية

وانزياح المجال العام من العقل إلى الانفعال

خاتمة

إن بكاء السياسيين في الاجتماعات ليس ظاهرة بريئة ولا عرضية، بل هو:

مرآة لأزمة السلطة

ودليل على خوف النخب من فقدان الامتياز

وتعبير عن قلق عميق تجاه مستقبل غير قابل للتحكم

هو بكاء ليس على الوطن بقدر ما هو على الموقع،

وليس على الفكرة بقدر ما هو على الكرسي،

وفي كثير من الأحيان، ليس شجاعة إنسانية… بل اعتراف غير معلن بنهاية مرحلة.

السبت، 7 فبراير 2026

من البر إلى العقوق : تحولات القيم الأسرية في المجتمع المعاصر من منظور فقهي اجتماعي

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!

مقدمة

إن بر الوالدين من أعظم الأعمال في الإسلام، وقد خصَّه الله تعالى بذكر كريم في كتابه، وحثَّ عليه النبي ﷺ في سنته وأوصى به في أحاديثه. ومع ذلك فقد لوحظ في المجتمعات المعاصرة ضعف في احترام الوالدين وتنامٍ في حالات العنف والإساءة، سواء كانت لفظية أو جسدية، ما يثير قلق العلماء والمربين حول الآثار الاجتماعية والأخلاقية لهذه الظاهرة.

أولًا: مفهوم بر الوالدين في الشريعة الإسلامية

1. تعريف البر:

البرُّ في اللغة: الإحسان.

وفي الشريعة: إعطاء كل ذي حق حقه من طاعة، واحترام، ومودة، وإكرام.

2. الدلائل الشرعية على فضل بر الوالدين

أ‌. في القرآن الكريم

قوله تعالى:

﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (الإسراء: 23).

ويلي هذه الآية تهديد بالعقوق:

﴿إمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ (الإسراء: 24).

دلائل: الإحسان، وعدم قول “أف”، وعدم التنهد عليهم، والقول الكريم.

قوله تعالى:

﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ (لقمان: 14).

ب‌. في السنة النبوية

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:

سُئل رسول الله ﷺ عن أكثر الناس برًّا لوالديه؟ قال: «أكثرهم برًّا: أبرُّهم بأميهما.»

(رواه البخاري ومسلم)

الدلالة: التشديد على بر الوالدين والإحسان إليهما مهما كانت حالتهما.

عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال:

جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحبتي؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أبوك.

(أخرجه البخاري ومسلم)

الدلالة: تعظيم حق الأم قبل الأب.

3. العقوبة في الدنيا والآخرة للعاقّ

وعد الله بالعذاب:

﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا... وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ (لقمان: 14).

ولم يذكر الله بعد الإحسان بالمعصية.

النبي ﷺ قال:

لا يدخل الجنة قاطع.

(رواه البخاري ومسلم)

القول الفقهي: قاطع الرحم يشمل من يقطع صلة الوالدين، ولو بالقلب.

ثانيًا: مظاهر تراجع بر الوالدين وتنامي العنف في العصر المعاصر

1. مظاهر العنف والإساءة

العنف اللفظي: استخدام الألفاظ الجارحة، القذف، السخرية.

العنف الجسدي: الضرب أو الإهمال.

العنف النفسي: التجاهل، التحقير، التهديد.

كل هذه سلوكيات محرَّمة شرعًا وتنافي الإحسان.

2. مظاهر التراجع في البر

العصيان في المنزل.

عدم أداء الحقوق: مبيت الوظيفة والمال دون مشاركة مع الوالدين.

تجاهل نصائحهما.

مقارنة الأبوين بالغير بطريقة تحقيرية.

ثالثًا: أسباب هذه الظاهرة من المنظور الفقهي والتربوي والاجتماعي

1. ضعف التربية الدينية

تدني الوازع الإيماني.

ضعف التربية على الأخلاق منذ الصغر.

غياب القدوة الحسنة في الأسرة.

2. التغيُّرات الثقافية والاجتماعية

النزعة الفردية وتغليب الذات.

الانفتاح غير المحكوم على ثقافات خارجية تُقلل من قيمة الأسرة.

3. تأثير وسائل التواصل الاجتماعي

نشر محتوى يقلِّل من احترام الآباء.

تمجيد العصيان والتمرد على القيم.

4. عوامل نفسية

مشكلات نفسية لدى الأبناء غير معالجَة.

توتر العلاقات نتيجة ضغوط الحياة.

رابعًا: تحليل فقهي للسلوك العاصي تجاه الوالدين

1. حالة العصيان المطلق

إذا كان الوالدان يأمران بمعصية، الشرع ينهى عن طاعتهما في ذلك، مع الإحسان إليهما في غير المعصية.

دلائل: قوله تعالى:

﴿وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي... فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ (لقمان: 14).

2. العنف ضد الوالدين

كل سلوك مؤذٍ تجاه الوالدين مخالف لقواعد العدل والإحسان في الشريعة.

الفقهاء أجمعوا على تحريم الإيذاء، وأنه من الكبائر.

خامسًا: الأثر الاجتماعي والنفسي لتراجع بر الوالدين

1. على الأسرة

تفتت العلاقات.

ضعف التراحم داخل البيت.

زيادة النزاعات الأسرية.

2. على المجتمع

انتشار العدوانية.

ضعف التضامن الأسري.

3. على الأبناء أنفسهم

اضطرابات نفسية لاحقة.

نقص في الاحترام والتقدير تجاه الكبار بشكل عام.

سادسًا: الحلول المقترحة من منظور فقهي وتربوي

1. التثقيف الديني

دروس مساجد حول فضل بر الوالدين.

خطب جمعة تركز على أخلاق الأسرة.

2. التربية الأسرية

حوارات بين الآباء والأبناء.

حضور دورات في إدارة الغضب وحل النزاعات.

3. تقنين سلوك وسائل التواصل

تنقية المحتوى.

تشجيع المحتوى الذي يدعو إلى الاحترام والبر.

4. الدعم النفسي

استشارة متخصصين في حال وجود مشكلات نفسية.

5. نظام وقائي في المجتمع

برامج مدرسيّة تربوية.

إشراك الفقهاء والمربين في نشر الوعي بالقيم.

خاتمة

إن بر الوالدين واجبٌ شرعي وأخلاقي ثابت بالنصوص من القرآن والسنة، وقد حذر الشرع من العقوق والعنف تجاههما. وما نشهده من تراجع في البر وتنامٍ في العنف يرجع إلى أسباب متعددة اجتماعية وثقافية ونفسية، ويتطلب مواجهة عملية تشمل التثقيف الديني، والتربية المتوازنة، ودعم الأسرة والمجتمع. بهذا النهج يمكن أن نعيد إلى العلاقات بين الأبناء وذويهم ما يرضي الله ويحقِّق السكينة الأسرية.

الجمعة، 6 فبراير 2026

المدارس العتيقة المغربية : تراث تعليمي وإرث ثقافي متكامل

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!

التعليم العتيق في المغرب: دراسة شاملة ومتوازنة

1. تعريف التعليم العتيق ونشأته

التعليم العتيق هو النظام التعليمي الإسلامي التقليدي الذي نشأ في المغرب منذ دخول الإسلام إلى المنطقة، ويقوم أساسًا على تدريس القرآن الكريم، واللغة العربية، والعلوم الشرعية (الفقه، والتفسير، والحديث)، إضافة إلى مكونات لغوية وأدبية تقليدية. ويُعتبر التعليم العتيق استمرارية لنظام المدرسة القرآنية (الكُتّاب والمساجد) التي كانت تتولى تعليم الأطفال والبنات قراءة القرآن والعلوم الدينية منذ القرون الأولى للإسلام في شمال إفريقيا. 

هذا النوع من التعليم حافظ – تاريخيًا – على هوية التعليم الإسلامي بالمغرب وكان العمود الفقري لنشر العلم واللغة العربية وحفظ القرآن في المجتمعات، إذ كانت حلقات الكُتّاب والمراكز التعليمية الدينية أولى مؤسسات التعليم في المغرب قبل ظهور منظومات التعليم العام الحديث. 

2. مكونات التعليم العتيق

2.1 الكتاتيب القرآنية

• الكتاتيب هي حلقات تعليم القرآن الكريم والكتاب الأول للطالب، وتُقام غالبًا في المساجد أو بجانبها. تدرّس القراءة الصحيحة لحروف القرآن، وأساسيات التجويد، والتحفيظ. 

2.2 المدارس العتيقة

• المدارس العتيقة هي مؤسسات مستقلة أو ملحقة بالمساجد تُطبق برامج تعليمية رسمية في أطوار متعددة:

التعليم الابتدائي العتيق

التعليم الإعدادي العتيق

التعليم الثانوي العتيق

التعليم النهائي العتيق (في بعض الجوامع والمعاهد الكبرى)

هذه الأطوار تشمل مناهج شرعية ولغوية وتؤهل الطلاب لممارسة التعليم الديني، أو العمل كأئمة وخطباء. 

2.3 الزوايا ودورها التربوي

• الزوايا في السياق المغربي ليست مجرد مؤسسات صوفية، بل كانت عبر التاريخ مراكزًا تربوية وعلمية تقليدية تُعلم القرآن والفقه والأذكار وتستضيف حلقات التدريس والمجالس العلمية. هذه الزوايا لعبت دورًا مهمًا في نقل المعرفة والحفاظ على التربية الدينية في المجتمعات المحلية – ولا تزال بعض الزوايا تعمل كأماكن تعليم وتوجيه ديني غير رسمي. 

2.4 المساجد كمراكز تعليمية

• قبل تأسيس المدارس الحديثة، كانت المساجد هي المكان الذي يجتمع فيه الطلاب لحلقات العلم، وتعليم القرآن، والتفسير، والنحو، والفقه. ولا تزال بعض الجوامع الكبرى تستضيف دروسًا علمية مفتوحة وتُعتبر جزءًا من منظومة التعليم العتيق غير النظامي. 

3. التاريخ والأدوار التعليمية

3.1 التاريخ

• منذ الفتح الإسلامي لشمال إفريقيا، عُقدت حلقات التعليم في الكُتّاب والمساجد لتعليم القرآن والعلوم الدينية. 

• في القرون الوسطى، خصوصًا في عهد المرابطين والموحدين والمرينيين، ظهرت المدارس العتيقة بنظام أكثر تنظيمًا وتخصصًا، تضم حصصًا في الفقه المالكي، والحديث، والنحو، والبلاغة، وقدمت تعليمًا شاملاً للعلوم الشرعية واللغة العربية. 

• بعض هذه المدارس التاريخية كان لها شأن عالمي في نشر المعرفة العلمية والشرعية، ومنها مدارس فاس ومراكش وغيرها من المراكز العلمية التي خرجت علماء وفُقهاء وكتابًا مشهورين. 

4. المناهج والأهداف التربوية

4.1 المناهج

• تختلف المناهج في التعليم العتيق عن التعليم العام، فهي ترتكز على:

تحفيظ القرآن الكريم وتجويده

تعليم الفقه المالكي

الحديث الشريف وعلومه

التفسير والاعتقاد

النحو واللغة العربية

في بعض المدارس: الأدب والشعر الإسلامي

هذه المناهج تمثل هوية تربوية متجذرة في التراث الثقافي الإسلامي المغربي. 

4.2 الأهداف

• الحفاظ على الهوية الإسلامية واللغة العربية.

• تخريج أئمة وخطباء وفقيه علمي قادرين على خدمة المجتمع.

• تأهيل الطلاب لممارسة التعليم أو العمل في مجالات دينية وتقليدية.

• الإسهام في تربية النشء على القيم والأخلاق الدينية. 

5. الإحصاءات الحديثة (وفق بيانات وزارة الأوقاف)

• التعليم العتيق في المغرب يشمل:

الكتاتيب القرآنية التي تُدرّس للقراءة والتحفيظ.

المدارس العتيقة لمرحلة التعليم الابتدائي حتى النهائي ضمن منظومة رسمية تحت إشراف وزارة الأوقاف. 

• في إطار الإحصاء القديم نسبيًا، كان عدد المدارس العتيقة نحو 289 مدرسة مع أكثر من 32 ألف طالب، إضافة إلى عشرات آلاف الطلبة في الكتاتيب القرآنية المنتشرة. 

6. التحديات الراهنة والتطوير

6.1 التحديات

أبرز ما تواجهه منظومة التعليم العتيق في المغرب:

• النظرة الدونية تجاه خريجي التعليم العتيق مقارنة بالتعليم العام.

• ضعف الاعتراف الأكاديمي بمؤهلات الخريجين في سوق العمل الأوسع.

• الحاجة إلى تدريب تربوي وتحديث للمناهج. 

6.2 الجهود الإصلاحية الحديثة

وزارة الأوقاف تعمل على:

• تأهيل وبناء مؤسسات جديدة للتعليم العتيق وتحديث البنيات التحتية.

• تنظيم دورات تكوينية للمعلمين والمربين.

• إصدار برامج ومناهج دراسية مع امتحانات موحدة.

• تشجيع التكامل مع منظومة التعليم العام جزئيًا. 

7. الخلاصة

التعليم العتيق في المغرب ليس مجرد نظام تعليمي ديني تقليدي، بل مرآة تاريخية وثقافية عريقة حافظت على تعليم القرآن والعلوم الشرعية واللغة العربية عبر قرون. هو نظام متعدد الوجوه يشمل الكتاتيب، المدارس العتيقة، الزوايا، والمساجد، ويؤدي أدوارًا تربوية واجتماعية مهمة في المجتمع المغربي الحديث، رغم التحديات المعاصرة في الاندماج والتطوير الأكاديمي.

السبت، 31 يناير 2026

الجمع بين عبد الهادي بلخياط والشيخ الداعية سعيد الزياني والعلاقة بينهما

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!



 لم يكن اللقاء الذي جمع بين عبد الهادي بلخياط وبين الشيخ الداعية سعيد الزياني -رحمهما الله- مجرد لحظة عابرة، بل كان توفيقا ساقهُ الله لعبده عبد الهادي ليُخرجه من ظلمات الغفلة إلى نور الهداية.

 بدأت قصة توبة عبد الهادي حين تناهى إلى سمعه خبرُ توبة سعيد الزياني، وكيف فرّ بدينه من فتنة الشهرة.. حُكي له أن الزياني سُئل في أيام غفلته: "أنت اسمك سعيد.. فهل أنت فعلاً سعيد؟"، فأجاب بلسان الفطرة التي فطر الناس عليها: "أنا سعيـ.. (بلا دال)، وسأبحث عن الحرف المفقود!".

 وما هي إلا شهور حتى شرح الله صدر الزياني للتوبة، فعاد ليعلنها مدوية توقظ الغافلين: "لقد وجدتُ الدال المفقودة.. وجدتها في الدين والدعوة".

 وشاء الله أن يسوق بلخياط إلى بلجيكا، ليقيمه في مقام اختبار وابتلاء. هناك في المطار، وجد نفسه بين داعييْن:

داع يدعوه إلى الله والدار الآخرة تمثل في الشيخ الزياني وصَحبه من أهل الدعوة بوجوههم النيرة المُباركة.

وداع يدعوه إلى الدنيا وزخرفها تمثل في متعهدي السهرات والحفلات.

 يقول بلخياط واصفا تلك اللحظة التي قذف الله فيها النور في قلبه: تحيّرت بادئ الأمر، لكنَّ الله ألهمني الرشد، فقررت أن أتبع أصحاب العمائم واللحى.

 كان ذلك الاختيار نجاته من الفن والرذيلة، صحبهم فرأى في اجتماعاتهم ببريطانيا عجبا؛ رأى مئات الرجال بملابس السنة البيضاء، يتحابون في الله بلا دنيا تجمعهم، فتساءل بذهول: هل بقي في الأرض مثل هؤلاء الصالحين؟.

حينها عزم على "الخروج في سبيل الله مع جماعة الدعوة والتبليغ"، ليتذوق حلاوة الإيمان التي حرم منها طويلا، قائلا: عرفتُ حينها أن الغاية من الخلق هي معرفة الله ومحبة رسوله ﷺ.

 واليوم، وقد أفضى الشيخ عبد الهادي إلى ما قدّم، وختم الله له بخاتمة الدعاة الذاكرين؛ نرى أقواما -هداهم الله- يصرون على تجديد أحزانه ومبارزة الله بالمعاصي عبر نشر ماضيه الذي تاب منه.

 فيا أيها الناشر لتلك الصور والمقاطع.. اتقِ الله في أخيك المسلم..! الرجلُ تاب وأناب، واختار الله والدار الآخرة، وتبرأ من تلك الألقاب وتلك الحال، فلا تكن عونا للشيطان عليه في قبره، ولا تحمل وزركَ ووزره.. إن حق الأخوة الإسلامية يوجب عليك الستر والدعاء له بالرحمة، ونشر مآثره في الدعوة والقرآن، لا إحياء ما أماته الله بتوبته.

 رحم الله الشيخين سعيد الزياني وعبد الهادي بلخياط، وجمعنا بهم في مستقر رحمته.

الأربعاء، 28 يناير 2026

كتاب: "الحصيلة قبل الفاصلة ونقطة النهاية"(تحت الطبع




بقلم الباحث: خليفة مزضوضي
يأتي كتاب "الحصيلة قبل الفاصلة ونقطة النهاية" كصدمة إيجابية في المشهد الثقافي والسياسي المغربي، ليقطع مع زمن المجاملات ويؤسس لثقافة "المكاشفة". هو ليس مجرد سرد لسير ذاتية، بل هو محاكمة معرفية وتوثيقية لمرحلة فارقة من تاريخ المملكة.
جوهر المؤلف
يغوص الباحث خليفة مزضوضي في كواليس القرار، مستعرضاً مسارات 200 شخصية تقلدت أمانة المسؤولية في البرلمان والسياسة والعلم والثقافة. الكتاب يرسم بجرأة خارطة البصمات التي تركتها هذه الأسماء؛ محتفياً بالإيجابي منها الذي خدم الوطن، ومسلطاً الضوء على السلبي الذي أدى ببعضهم إلى ردهات المحاكم ومنصات التوقيف.
لماذا يُعد هذا الكتاب قفزة نوعية؟
ربط المسؤولية بالمحاسبة: يجسد الكتاب التوجه الملكي والدستوري الجديد، محولاً الشعار إلى مادة دسمة للتحليل والتقييم، خاصة في ظل الولاية التشريعية الأخيرة التي شهدت زلزال المتابعات القضائية.
محاربة الهدر العام: يضع الباحث يده على الجرح، راصداً كيف تحولت المسؤولية لدى البعض من "تكليف" إلى وسيلة "للهدر"، مما يجعله مرجعاً لكل مهتم بحماية المال العام.
التوثيق للمستقبل: الكتاب يضع "نقطة النهاية" لممارسات قديمة، ويفتح "فاصلة" لمرحلة جديدة من النزاهة والشفافية.
كلمة ختامية
إن هذا العمل هو صرخة بحثية تستمد قوتها من واقع المتغيرات التي يعيشها المغرب، وهو بمثابة مرآة تعكس وجوه من سيروا الشأن العام، ليبقى الحكم الأخير للتاريخ وللقارئ المغربي الشغوف بالحقائق.
"الحصيلة قبل الفاصلة.. هي كشف حساب وطني بامتياز، تفرضه ضرورة المرحلة وتستوجبه أمانة القلم."

الاثنين، 26 يناير 2026

التغيرات الهرمونية الجنسية بين الجنسين في الآونة الأخيرة : الأسباب البيئية والصحية والانعكاسات السوسيولوجية

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!

 المقدّمة

الهرمونات الجنسية مثل التستوستيرون (testosterone) لدى الرجال والإستروجين (estrogen/progesterone) لدى النساء هي مركبات كيميائية منتجة أساسًا من الغدد التناسلية وتلعب دورًا رئيسيًا في التطوّر الجنسي، الوظائف الإنجابية، والبيولوجيا الجسمانية العامّة. يتكون هذا النظام من شبكة معقّدة تشمل الدماغ والغدة النخامية والغدد التناسلية (المبايض عند النساء والخصيتين عند الرجال).

هناك اهتمام متزايد في المجتمع العلمي بتغيرات مستويات هذه الهرمونات في السكان على مدى العقود والقيم المرتبطة بذلك، مع تركيز خاص على تأثيرات البيئة، نمط الحياة، والظروف الصحية العامة.

 أولاً: ما هي الهرمونات الجنسية الرئيسية؟

التستوستيرون: هرمون ثانوي موجود لدى الرجال والنساء لكنه أكثر وفرة لدى الرجال (عادةً 300-1000 نانوغرام/ديسيلتر عند الرجال مقابل 15-70 عند النساء). 

Wikipédia

الإستروجين والبروجسترون: مهمتان بشكل رئيسي لدى النساء، تتحكّمان في الدورة الشهرية والحمل والخصوبة. 

מכון דוידסון לחינוך מדעי

📉 ثانياً: الانخفاض الملاحَظ في الهرمونات لدى الرجال

1. انخفاض التستوستيرون مع الزمن والعمر

يُلاحظ في العديد من الدراسات الحديثة أن مستويات هرمون التستوستيرون لدى الذكور البالغين تميل إلى الانخفاض بمعدلات أعلى مما كان عليه في الماضي، وهو أمر موثق في أبحاث طويلة الأجل. الأسباب غير مفهومة بالكامل لكنها تشمل:

التقدم في العمر: الإنتاج يقلّ تدريجيًا بعد سن الثلاثين-الأربعين. 

الطبي

البدانة: تراكم الدهون يغيِّر التوازن الهرموني. 

الطبي

التلوث البيئي والمواد الكيميائية: مركبات مثل PFAS ومبيدات الحشرات معروفة بتأثيرها كمُعطِّلات صمّاء في الجهاز الهرموني (endocrine disrupters)، وقد ترتبط بتغيرات في مستويات هرمونات الذكورة. 

PMC +1

نمط الحياة الحديث: التوتر، الخمول، سوء التغذية واضطرابات النوم يمكن أن تُسهم في انخفاض مستويات التستوستيرون. 

الطبي

تُظهر مراجعات علمية وجود ارتباط بين التعرض لمواد معطِّلة للهرمونات وانخفاض مستويات هرمون الذكورة وجودة السائل المنوي لدى الرجال، مما يشير إلى تراجع عام في الصحة الإنجابية الذكرية. 

Frontiers

📈 ثالثاً: هل هناك زيادة في الهرمونات الجنسية لدى النساء؟

ليس هناك دليل قوي من الدراسات السكانية على “زيادة عامة” في مستويات الإستروجين أو الهرمونات الجنسية لدى النساء بصفتها ظاهرة عالمية جديدة، لكن هناك عوامل بيئية وصحية يمكن أن تؤثر على مستوياتها:

1. التعرّض للمواد المعطِّلة للهرمونات

بعض المواد الكيميائية التي تؤثر على النظام الهرموني يمكن أن تقلّد الإستروجين أو تغيّر نشاطه في الجسم، مما قد يؤثر على تنظيم الدورة الشهرية أو الصحة الإنجابية. 

ScienceDirect

2. حالات طبية معيّنة

مثل متلازمة المبيض متعدد الكيسات (PCOS)، وهي حالة شائعة يمكن أن تؤدي إلى ارتفاع غير طبيعي في الأندروجينات (هرمونات الذكورة عند النساء) لدى نسبة من النساء. 

Wikipédia

هذه الحالات لا تعني بالضرورة “زيادة عامة في الهرمونات لدى كل النساء”، لكنها تعكس أن هناك تفاوتًا في مستويات الهرمونات تبعًا للصحة الفردية والعوامل البيئية.

 رابعاً: العوامل البيئية وتأثيراتها على الهرمونات

1. المواد المعطِّلة للهرمونات (Endocrine Disruptors)

تشمل مواد مثل:

PFAS والفثالات في البلاستيك.

مبيدات الحشرات وصناعات كيميائية أخرى.

هذه المواد يمكن أن تتداخل مع وظائف الهرمونات الجنسية عبر:

شبيهتها بالهرمونات في الجسم.

تغيّر نسبة الناقلات البروتينية للهرمونات (مثل SHBG). 

Wikipédia

تدخل في نظم الإشارات الهرمونية الحيوية. 

Parlement européen

أبحاث عديدة تربط التعرض لهذه المواد بتغيير مستويات الهرمونات في مختبرات حيوانية وبشرية، وتثير اهتمام العلماء بشأن تأثيرها على الصحة الإنجابية والهرمونية العامة في السكان. 

Springer Nature Link

 خامساً: حدود الأبحاث والعلم

لا توجد أدلة قاطعة على أن هناك “زيادة عامة” في هرمونات الإناث على مستوى السكان العالمي، وإنما هناك تباين طبيعي وتغيّرات بسبب العمر، الصحة والبيئة.

الدلالات على انخفاض مستويات التستوستيرون لدى الرجال في بعض السكان أكثر وضوحًا في الأدبيات العلمية، وخاصة عند تعرّضهم للمواد الملوِّثة وتراجع جودة الصحة الإنجابية، لكن الأسباب متعددة ومعقدة. 

Frontiers

 الخلاصة

التستوستيرون لدى الرجال يميل إلى الانخفاض مع التقدم في العمر وعوامل نمط الحياة والتعرض للمواد البيئية، وهناك بعض الأدلة على أن هذه الظاهرة قد تكون أكثر وضوحًا في العقود الماضية.

ارتفاع الهرمونات لدى النساء ليس ظاهرة مؤكّدة بشكل عام على المستوى السكاني، لكن هناك حالات طبية وعوامل بيئية يمكن أن تُؤثر على مستويات الهرمونات لدى مجموعات معينة من النساء.

العوامل البيئية مثل المواد المعطِّلة للهرمونات تلعب دورًا مهمًا في فهم هذا التغير، وتستدعي مزيدًا من البحث العلمي لفهم تأثيراتها على المدى الطويل.


📖

رسالة مفتوحة إلى الصديق : يوسف الوجدي



صديقي : العزيز يوسف الوجدي،

تحية طيبة وبعد،

شاءت الأقدار أن يجمعنا لقاء عابر في مقهى باليريا بمدينة مراكش، لقاء لم يكن في ظاهره سوى لحظات عادية بين زبون ونادل، غير أنّ الحوار الذي دار بيننا، وتبادل الكلمات الصادقة، كشف لي عن شاب مهذب، واعٍ، يحمل من حسن الخلق ونبل الطبع ما يبعث على التقدير والاحترام.

لقد لمست في حديثك روحًا طيبة، وعقلًا متزنًا، ونفسًا طيبة وشابا متفتحة، وهي صفات لا تقاس بالعمر، بل بالجوهر الإنساني. وإن كان فارق السن بيننا قائمًا، فإنه لا يمنع – في نظري – من قيام صداقة قائمة على الصدق والوفاء ، وتبادل الخبرات، في إطار أخوي إنساني راقٍ.

صديقي ، من موقعي كباحث، ومن باب التقدير لما رأيته فيك من أخلاق وحسن تعامل، أعرض عليك صداقتي بكل وضوح وصدق، صداقة دون حدود ، صداقة مفتوحة صداقة الابن بابيه ؛ تقوم على النصح والمعاشرة والتعاون ، والكلمة الطيبة، والتواصل الإيجابي الذي يثري الإنسان ويقوّي روابطه مع محيطه.

أسأل الله لك التوفيق في مسارك المهني والإنساني، وأن يجعل مستقبلك مليئًا بالنجاح والخير، وأرجو أن تتقبل رسالتي هذه بروح طيبة كما كتبتها لك.

                          وتفضل بقبول فائق الاحترام والتقدير.

                          الباحث: خليفة مزضوضي

                              مراكش – المغرب

حرر بمراكش : الإثنين 6 شعبان 1447 الموافق 26 يناير 2026 


 🌿

السبت، 24 يناير 2026

الفرق بين الصوفية والطرق الصوفية: تحليل مفهومين في التراث الإسلامي

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!


يعد التصوف الإسلامي أحد أبعاد الحياة الروحية لدى المسلمين، وقد نما وتطور عبر تاريخ طويل، واتسع نطاقه ليشمل مفاهيم مجرّدة عن الروحانية (الصوفية)، ومؤسسات منظمة حول شيوخ وممارسات جماعية (الطرق الصوفية). ولهذا، غالبًا ما يختلط الأمر بين الصوفية كمفهوم روحي عام، والطرق الصوفية كمجموعات تنظيمية داخل التراث الإسلامي.

📌 أولًا: ما هي الصوفية؟

✅ التعريف

الصوفية في أصلها مصطلح يشير إلى الحالة الروحية والداخلية للإنسان الساعي إلى تنقية القلب وطلب القرب من الله تعالى. وهي تدور حول:

الزهد في الدنيا

محاربة الشهوات

الاهتمام بالعلاقة القلبية مع الله

السلوك إلى الله بلا تكلف لفظي أو منظومة منظمة خارج الفقه والشريعة

تُرى الصوفية كـ منهج سلوكي وروحي عام وليس كتنظيم رسمي بحد ذاته. �

المصري اليوم +1

✅ خصائص الصوفية:

ترتكز على تزكية النفس (تزكية القلب)

التأمل والذكر والتقرب إلى الله

لا تشترط الانتماء إلى جماعة أو شيخ معين

يمكن أن توجد في سياقات فردية أو جماعية دون بنية تنظيمية صارمة

تتعلق بالحالة الداخلية والنية الخالصة لله

📌 ثانيًا: ما هي الطرق الصوفية؟

✅ التعريف

الطرق الصوفية (الطُرق)، جمع طريقة، هي تنظيمات روحية وجماعات تأسست حول شيوخ (أقطاب أو شيوخ طرقية)، تتبع أساليب وممارسات روحية محددة، وتعمل على توجيه السالكين الروحيين في رحلتهم. �

Encyclopedia Britannica +1

✅ خصائص الطرق الصوفية:

لها هيكل تنظيمي حول شيخ ومرشد روحي

تشتمل على أذكار وأوراد ومقامات وطقوس خاصة بكل طريقة

تعتمد على سلسلة روحية (سِلسِلة) تربط الشيخ بسنّة المتصوفة من أجيال سابقة

لكل طريقة قواعد خاصة في الذكر والرياضات الروحية

قد تتفرع كل طريقة إلى جماعات وتنتشر جغرافيًا وتاريخيًا

لعبت أدوارًا اجتماعية وثقافية في التاريخ الإسلامي وغيرها من الأدوار المجتمعية

📌 الفرق الأساسي بين الصوفية والطرق الصوفية

العنصر

الصوفية

الطرق الصوفية

المفهوم

حالة روحية عامة، منهج تزكية وتقرّب إلى الله

جماعات تنظيمية بممارسات محددة

الانتماء

فردي وروحي

جماعي ومنهجي

الهيكل

لا يعتمد على بنية رسمية

قائم على شيخ وطريقة محددة

الهدف الأساسي

تنقية النفس والتحلّي بأخلاق الله

توجيه السالكين في سلسلة روحية نحو مقامات معينة

الميكاني즘

اهتمام داخلي بالقلب

ممارسة أذكار وجلسات روحانية محددة

الدور التاريخي

فلسفة روحية عامة

مؤسسات لها تأثير اجتماعي وتاريخي في انتشار الإسلام

من هنا يتضح أن الصوفية تتجاوز الطرق كحالة روحية يمكن لأي مسلم أن يسعى إليها، أما الطرق الصوفية فهي تطبيقات تنظيمية للمبادئ الصوفية في إطار جماعي وله أساليبها الخاصة. �

عربي21

📌 خاتمة

الصوفية و الطرق الصوفية جزء من التراث الإسلامي الروحي، لكنهما ليسا مترادفين:

الصوفية مفهوم واسع يعبر عن السلوك الروحي القلبي.

الطرق الصوفية صور من التنظيمات التي تطورت لاحقًا لتطبيق هذا المفهوم عبر جماعات وأذكار وقيادات روحية.

يمكن اعتبار الصوفية الجوهر الروحي، بينما الطرق الصوفية تطبيقات هيكلية لهذا الجوهر في إطار تنظيمي وتجريبي.

📌 مراجع علمية يمكن الرجوع إليها في هذا الموضوع :

مفهوم الطرق الصوفية في تاريخها وتطورها — Encyclopaedia Britannica: Tariqa (تعريف الطرق وأصولها) �

Encyclopedia Britannica

الفرق بين التصوف والمنهج التنظيمي للطرق — المقالات الأكاديمية التي تتناول التصوف والطرق الصوفية �

عربي21

تعريف الطرق الصوفية وتاريخها — وزارة الأوقاف: الطرق الصوفية وتفاصيلها

الفرق بين الذُّكورة والرُّجولة دراسة عقدية أخلاقية في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية(ج1)

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!

مقدمة

يُعدّ التمييز بين مفهومي الذُّكورة والرُّجولة من القضايا المفاهيمية المهمة في الفكر الإسلامي والأخلاقي، لما يترتب عليه من آثار عقدية وتربوية واجتماعية. فقد شاع في الخطاب المعاصر الخلط بين المفهومين، حتى أُفرغت الرجولة من بعدها القيمي، وحُصرت في المظاهر الجسدية أو السلطوية. ويهدف هذا البحث إلى بيان الفرق الجوهري بين الذكورة بوصفها معطًى فطريًا بيولوجيًا، والرجولة بوصفها قيمة أخلاقية وسلوكية مكتسبة، وذلك في ضوء النصوص الشرعية وأقوال العلماء.

المبحث الأول: الذُّكورة من المنظور العقدي والفطري

أولًا: تعريف الذكورة

الذُّكورة في الاصطلاح:

صفة فطرية بيولوجية خَلقية، تميّز الذكر عن الأنثى من حيث التكوين الجسدي والوظيفة التناسلية.

وهي ثابتة بالخلق، لا كسب للإنسان فيها، ولا فضل ذاتي فيها من حيث القيم.

ثانيًا: الذكورة في القرآن الكريم

جاء ذكر الذكورة باعتبارها وصفًا خلقيًا لا معيار تفاضل:

﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى﴾

(النجم: 45)

وقال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى﴾

(الحجرات: 13)

فالذكورة هنا حقيقة تكوينية، لا تدل بذاتها على كمال أو فضل.

ثالثًا: الذكورة ليست معيار كرامة

الكرامة الإنسانية في الإسلام ليست بالذكورة ولا بالأنوثة:

﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾

(الحجرات: 13)

المبحث الثاني: الرجولة مفهومًا أخلاقيًا عقديًا

أولًا: تعريف الرجولة

الرجولة في المنظور الإسلامي:

منظومة من القيم الأخلاقية والسلوكية، تقوم على الإيمان، وتحمل المسؤولية، والعدل، والصدق، والشجاعة، وضبط النفس.

فالرجولة مقام أخلاقي لا يتحقق إلا بالعمل والتزكية.

ثانيًا: الرجولة في القرآن الكريم

لم يربط القرآن الرجولة بالجنس فقط، بل بالثبات والصدق والإيمان:

﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾

(الأحزاب: 23)

قال ابن كثير:

"المراد بالرجال هنا: أهل الصدق والثبات، لا مجرد الذكورة".

وقال تعالى:

﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾

(النور: 37)

فالرجولة اقترنت بالالتزام، لا بالقوة الجسدية.

ثالثًا: الرجولة في السنة النبوية

قال رسول الله ﷺ:

«ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»

(صحيح البخاري ومسلم)

وهذا نصٌّ صريح في إعادة تعريف الرجولة بوصفها ضبطًا للنفس لا غلبةً للآخرين.

وقال ﷺ:

«خيركم خيركم لأهله»

(رواه الترمذي)

فالرجولة تتجلى في الرحمة وحسن المعاشرة.

المبحث الثالث: الفرق الجوهري بين الذكورة والرجولة

الذكورة : نظرية بيولوجية ؛ تولد مع الانسان ؛ وصف خلقي ؛ لا تفاضل بها ؛ ثابثة.

الرجولة : أخلاقية مكتسبة ؛ تبنى بالتربية والعمل ؛ مقام قيمي ومعيار كمال ؛ قد تتحقق او تفقد .

كل رجلٍ ذكر، وليس كل ذكرٍ رجلًا.

المبحث الرابع: آثار الخلط بين الذكورة والرجولة

تبرير العنف والتسلط باسم الرجولة

إفراغ الأخلاق من مضمونها

تشويه صورة الرجل في الأسرة والمجتمع

إنتاج نماذج ذكورية بلا مسؤولية

وقد حذّر العلماء من هذا الخلط، لأنه يؤدي إلى انحراف قيمي وسلوكي.

المبحث الخامس: النموذج النبوي للرجولة

جسّد النبي ﷺ الرجولة الكاملة في:

التواضع

العدل

الرحمة

الوفاء

الشجاعة الأخلاقية

قال أنس رضي الله عنه:

"كان رسول الله ﷺ في خدمة أهله"

(رواه البخاري)

وهو أرقى تجلٍّ للرجولة الحقة.

خاتمة

يتبيّن من خلال هذا البحث أن الذكورة والرجولة مفهومان متمايزان:

فالذكورة معطى خلقي، أما الرجولة فهي بناء عقدي وأخلاقي. وقد قرر الإسلام أن معيار التفاضل هو التقوى والعمل الصالح، لا الجنس ولا المظهر. ومن هنا، فإن إعادة الاعتبار لمفهوم الرجولة القيمية ضرورة تربوية وفكرية لحماية الفرد والمجتمع.

المراجع

القرآن الكريم

ابن كثير، تفسير القرآن العظيم

الطبري، جامع البيان

صحيح البخاري

صحيح مسلم

الغزالي، إحياء علوم الدين

ابن القيم، مدارج السالكين

محمد الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير

الأربعاء، 21 يناير 2026

جدلية الأصالة والتجديد في المنظومة التربية الإسلامية : التعليم العتيق والتعليم الاصيل نموذجا

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!

مقدمة

يُعدّ التعليم من أهم الركائز التي أسهمت في بناء الحضارة الإسلامية وحفظ هويتها الدينية والثقافية، وقد تميّزت المنظومة التعليمية الإسلامية بتنوّع أنماطها واختلاف صيغها بحسب السياقات التاريخية والاجتماعية. ومن بين أبرز هذه الأنماط يبرز التعليم العتيق والتعليم الأصيل، اللذان شكّلا معًا قاعدة راسخة في تكوين العلماء وحفظ العلوم الشرعية واللغوية.

ويهدف هذا البحث إلى بيان الفروق الدقيقة والعلاقات التكاملية بين هذين المفهومين، بعيدًا عن الخلط الاصطلاحي، مع إبراز أدوارهما المعرفية والحضارية.

أولًا: الإطار المفاهيمي والاصطلاحي

1. مفهوم التعليم العتيق

التعليم العتيق هو نمط تعليمي تقليدي نشأ في أحضان المساجد والزوايا والكتاتيب، ويُعنى أساسًا بتدريس العلوم الشرعية والعربية وفق مناهج كلاسيكية متوارثة.

خصائصه الأساسية:

الاعتماد على المتون والشروح والحواشي

نظام الحلقات العلمية

علاقة الشيخ بالمريد أو الطالب

التركيز على الحفظ والتلقي المباشر

التدرج العلمي غير المرتبط بزمن محدد

دليل تاريخي:

عرف التعليم العتيق ازدهارًا في القرويين والزيتونة والأزهر، وكان الأساس في تخريج العلماء والقضاة والفقهاء عبر القرون.

2. مفهوم التعليم الأصيل

التعليم الأصيل هو مفهوم قيمي ومنهجي أكثر منه مؤسساتي، ويُقصد به التعليم الذي يحافظ على أصالة المرجعية الإسلامية في المعرفة، مع قابلية الانفتاح على الاجتهاد والتجديد.

خصائصه:

التمسك بالقرآن والسنة وفهم السلف

الجمع بين الأصالة والمعاصرة

التركيز على المقاصد الشرعية

قابلية التطوير المنهجي

الانفتاح على العلوم الإنسانية والكونية بضوابط

دليل فكري:

برز مفهوم التعليم الأصيل في كتابات رواد الإصلاح مثل محمد عبده، وعلال الفاسي، ومالك بن نبي، حيث ارتبط بمفهوم النهضة لا الجمود.

ثانيًا: الفروق المنهجية بين التعليم العتيق والتعليم الأصيل

مجال المقارنة

التعليم العتيق

التعليم الأصيل

الطبيعة

مؤسساتي تقليدي

منهجي قيمي

المرجعية

المتون الفقهية

القرآن والسنة والمقاصد

أسلوب التعليم

التلقين والحفظ

الفهم، التحليل، الاجتهاد

البنية

مساجد وزوايا

مؤسسات أو مشاريع تربوية

العلاقة بالواقع

محدودة

تفاعلية إصلاحية

استدلال علمي:

يرى علماء التربية الإسلامية أن العتيق يركّز على نقل المعرفة، بينما الأصيل يركّز على بناء الوعي.

ثالثًا: العلاقة بين التعليم العتيق والتعليم الأصيل

1. علاقة تكامل لا تضاد

ليس التعليم الأصيل نقيضًا للتعليم العتيق، بل هو امتداد واعٍ له، يستثمر رصيده العلمي ويعيد توظيفه في سياق معاصر.

فالتعليم العتيق يحفظ المتن،

والتعليم الأصيل يُفعّل المعنى.

2. التعليم العتيق كحاضنة للأصالة

لا يمكن الحديث عن تعليم أصيل دون:

ضبط لغوي

تأصيل فقهي

رسوخ في علوم الآلة

وهي عناصر وفّرها التعليم العتيق تاريخيًا.

3. التعليم الأصيل كأفق تطويري للعتيق

يساعد التعليم الأصيل على:

تجاوز الجمود المنهجي

ربط المعرفة بالواقع الاجتماعي

إدماج البعد المقاصدي والتربوي

رابعًا: الأبعاد الحضارية والاجتماعية

1. دور التعليم العتيق

حفظ الهوية الدينية

مقاومة الاستعمار الثقافي

تخريج العلماء والدعاة

2. دور التعليم الأصيل

إصلاح الفكر الديني

مواجهة التطرف والانغلاق

بناء إنسان متوازن معرفيًا وقيميًا

دليل اجتماعي:

تشير الدراسات السوسيولوجية إلى أن المجتمعات التي حافظت على تعليم أصيل متجدد استطاعت التوفيق بين الثبات والحداثة.

خامسًا: إشكالات معاصرة ورهانات مستقبلية

1. إشكالات

الخلط بين الأصالة والجمود

ضعف التحديث البيداغوجي

الانفصال عن قضايا العصر

2. رهانات

تحديث التعليم العتيق دون تفريغه من روحه

تأطير التعليم الأصيل مؤسساتيًا

تكوين أطر تجمع بين التراث والكفاءة المعاصرة

خاتمة

يتبين من خلال هذه الدراسة أن التعليم العتيق والتعليم الأصيل ليس مسارين متعارضين، بل يشكّلان وحدة معرفية متكاملة:

فالعتيق هو الجذور، والأصيل هو الامتداد الواعي.

وأي مشروع نهضوي حقيقي للأمة لا يمكن أن ينجح إلا بإعادة بناء العلاقة بينهما على أساس التكامل، لا الإقصاء، والتجديد، لا القطيعة.

السبت، 17 يناير 2026

الطاعات الأربع المترابطة ومراتبها في الإسلام

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!

مقدمة

جعل الله تعالى الطاعة أساسَ الاستقامة وصلاح الفرد والمجتمع، وربط بين أنواعٍ متعددة من الطاعات التي لا تقوم إحداها على وجهها الصحيح إلا بالأخرى، وهي: طاعة الله، وطاعة الرسول ﷺ، وطاعة الوالدين، وطاعة وليّ الأمر. وهذه الطاعات ليست متساوية في المرتبة، بل لكلٍّ منها مقامها وضوابطها، وكلها تدور في فلك طاعة الله عز وجل.

أولاً: طاعة الله تعالى (الأصل والأساس)

مكانتها

طاعة الله هي أعلى مراتب الطاعة وأصل جميع الطاعات، فلا طاعة تُقبل إلا إذا كانت خالصة له سبحانه، موافقة لأمره.

قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ (النساء: 59)

معناها

الامتثال لأوامر الله، واجتناب نواهيه، والرضا بحكمه، والتسليم لشرعه في كل شؤون الحياة.

ضابطها

طاعة الله مطلقة لا قيد لها.

لا يجوز تقديم أي طاعة عليها.

ثانياً: طاعة الرسول ﷺ (البيان والتطبيق)

مكانتها

طاعة الرسول ﷺ هي تابعة لطاعة الله ومبيِّنة لها، فلا يُعرف مراد الله على وجه التفصيل إلا من خلال سنة نبيه.

قال تعالى:

﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (النساء: 80)

معناها

اتباع أوامره، واجتناب نواهيه، وتصديق خبره، والاقتداء به في عبادته وأخلاقه.

ضابطها

طاعة الرسول واجبة في كل ما صح عنه.

لا تعارض بينها وبين طاعة الله، لأنها وحي من الله.

ثالثاً: طاعة الوالدين (الإحسان والبر)

مكانتها

جعل الله طاعة الوالدين بعد طاعته مباشرة، دلالة على عظيم حقهما.

قال تعالى:

﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (الإسراء: 23)

معناها

الإحسان إليهما قولًا وفعلاً، وخدمتهما، واحترامهما، وطاعتهما في المعروف.

ضابطها

الطاعة في غير معصية الله.

إن أمرا بمعصية، فلا طاعة، مع استمرار البر والإحسان.

قال ﷺ:

«لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصية الخالق»

رابعاً: طاعة وليّ الأمر (حفظ النظام والمصلحة العامة)

مكانتها

شرعت طاعة وليّ الأمر لتحقيق الأمن، ومنع الفوضى، وحفظ مصالح الأمة.

قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء: 59)

معناها

الالتزام بأوامره وتنظيماته في المعروف، وعدم الخروج عليه لما في ذلك من مفاسد عظيمة.

ضابطها

الطاعة في المعروف فقط.

لا طاعة له إن أمر بمعصية صريحة.

مع النصح له بالأسلوب الشرعي الحكيم.

ترابط الطاعات الأربع

هذه الطاعات ليست متعارضة بل متكاملة:

طاعة الله هي المرجع الأعلى.

طاعة الرسول تفصيل وتطبيق لطاعة الله.

طاعة الوالدين تهذيب للفرد وبناء للأسرة.

طاعة ولي الأمر تنظيم للمجتمع وحفظ للأمن.

وكل طاعة تسقط إذا خالفت طاعة الله.

مراتب الطاعة باختصار

طاعة الله – مطلقة

طاعة الرسول ﷺ – واجبة تبعًا للوحي

طاعة الوالدين – في المعروف

طاعة وليّ الأمر – في المعروف والمصلحة العامة

خاتمة

إن فهم مراتب الطاعة وضوابطها يحفظ المسلم من الغلو والتفريط، ويحقق له التوازن بين العبادة، والأسرة، والمجتمع، والدولة. وكلما التزم المسلم بهذه الطاعات وفق ميزان الشرع، نال رضا الله، واستقامت حياته، وصَلُحَ مجتمعه.

العنف أثناء الممارسة الجنسية في المجتمعات الإسلامية : مقاربة سوسيولوجية تحليلية

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!

مقدمة

تُعدّ الممارسة الجنسية جزءًا فطريًا وأساسيًا من الحياة الزوجية، وقد أشار العلماء إلى أنها في الإسلام ينبغي أن تكون علاقة مبنية على المودة والرحمة والرضا المتبادل بين الزوجين. ومع ذلك، تظهر في بعض المجتمعات ــ بما فيها الإسلامية ــ ظواهر من العنف والإجبار أثناء هذه الممارسة، ما يستدعي دراسة معمقة لفهم أبعادها الاجتماعية، النفسية، القانونية، والثقافية.

أولاً: تعريفات أساسية

1. العنف أثناء الممارسة الجنسية

العنف الجنسي هو كل سلوك يهدف إلى إيذاء الشريك الآخر جنسيًا دون موافقته الصريحة، ويشمل الإجبار على الجماع، استخدام القوة، الإكراه الجسدي أو النفسي لتحقيق الاتصال الجنسي، أو فرض أوضاع غير مرغوبة تسبب أذى للطرف الآخر.

2. علاقة العنف الجنسي بالعنف الأسري

في الأدبيات النفسية والاجتماعية، يُنظر إلى العنف الجنسي كجزء من العنف الأسري أو الإساءة الزوجية، والتي تشمل الإساءة النفسية والجسدية والاقتصادية، إضافة إلى الإساءة الجنسية التي تتمثل في ممارسة الجنس بالعنف أو دون رضا الطرف الآخر. �

MBSE

ثانياً: أسباب العنف الجنسي أثناء الممارسة

1. العوامل النفسية

بعض الدراسات في الصحة النفسية تربط بين النزعات العدوانية الشخصية أو التاريخ العائلي للعنف وبين ممارسة العنف في العلاقة الجنسية في سنّ البلوغ والزوجية.

يفسّر بعض المختصين ميل البعض لاستخدام القوة الجنسية برغبة في السيطرة والسيادة على الشريك الآخر، أو نتيجة تراكم خبرات نفسية سلبية منذ الصغر. �

الكونسلتو.كوم

2. العوامل الاجتماعية والثقافية

الضغوط الاجتماعية، المفاهيم المغلوطة حول الرجولة والسيطرة في الزواج، وعدم وجود حوار مفتوح عن الجنس الصحي يسهمان في استمرار سلوكيات عنيفة بحق الشريك.

المجتمع الذي يُكتم ضحايا العنف الجنسي عن الإفصاح بسبب الخوف من الوصمة الاجتماعية أو الانتقاد، يجعل الظاهرة أكثر اختفاءً وأعمق تأثيرًا نفسيًا على الضحية.

3. الجهل والتعليم

نقص التربية الجنسية الصحيحة، وغموض في فهم الموافقة المتبادلة بين الزوجين، قد يؤديان إلى حالات سوء تفاهم أو إجبار غير مرئي على أنه مقبول أو “طبيعي”.

ثالثاً: السياق الديني والثقافي في المجتمعات الإسلامية

1. التشريع الإسلامي

الإسلام يحث على المودة والرحمة بين الزوجين، وينهى عن الإكراه والأذى، وقد ورد في النصوص حرمة الظلم بكافة أشكاله، بما فيه الأذى الجنسي. كما هناك تأكيد شرعي على احترام حقوق الزوجين وكرامتهما.

ومع ذلك، توجد آراء فقهية وتقليدية في بعض المجتمعات تحصر فهم العلاقة الجنسية في مجرد الطاعة الزوجية دون اعتبار واضح لموافقة الشريكين بشكل صحي وعاطفي.

2. الثقافة المجتمعية وتأويل النصوص

قد يُستخدم بعض التفسيرات التقليدية لتبرير سلوكيات خاطئة تُمارَس باسم “حقوق الزوج” على حساب سلامة الزوجة أو الزوج الآخر.

هناك دراسات تربوية تسعى إلى تعزيز التربية الإسلامية الصحيحة حول احترام الآخر ومفهوم العفة والاحترام والحياء كأساس للتعاون الجنسي الصحي بين الزوجين. �

Journals EKB

رابعاً: آثار العنف الجنسي في العلاقات الزوجية

1. آثار نفسية وصحية

الأذى الجنسي القسري يمكن أن يؤدي إلى صدمة نفسية عميقة، اضطرابات القلق والاكتئاب، فقدان الثقة الجنسية، وصعوبات في العلاقة الزوجية.

الدراسات السريرية تشير إلى أن الضحايا قد يعانون من آثار جسمانية جسيمة نتيجة القوة أو إجبار غير مناسب، تصل إلى إصابات جسدية وآلام مستمرة لاحقًا. �

Polylang

2. آثار اجتماعية وأسريّة

يمكن أن يتسبب العنف الجنسي في تفكك العلاقات الأسرية، ضعف التواصل الزوجي، الانقطاع الجنسي، وتدهور الاستقرار الأسري.

المجتمعات التي تخفي هذه المشكلة بسبب العار الداخلي أو الخوف من التشهير تزيد من معاناة الضحايا وتمنع العلاج والدعم.

خامساً: الدراسات والأبحاث في السياقات الإسلامية

هناك أبحاث وظواهر مرتبطة بالعنف الأسري والعنف الزوجي في المجتمعات الإسلامية، وتشير الدراسات إلى نسب مرتفعة من العنف الجسدي والنفسي والجنسي بين الأزواج في بعض المناطق، كما في إيران حيث أظهرت دراسة أن نسبة الاعتداء الجنسي داخل الأسرة بلغت نحو 30.9٪ في عيّنة من النساء. �

PubMed

كما توجد أبحاث نفسية تربوية في مصر تبحث في العوامل المرتبطة بالتحرش الجنسي ومواجهتها من منظور التربية الإسلامية، معتبرة أن هناك أبعادًا اجتماعية وثقافية عميقة تحتاج إلى تدخل تربوي مستدام. �

Journals EKB

سادساً: معالجات واقتراحات

1. التوعية والتربية

التربية الجنسية المتوازنة التي توضح مفهوم الموافقة، الاحترام المتبادل، وحقوق الزوجين، مع مراعاة القيم الثقافية والدينية.

برامج مجتمعية لتعزيز التواصل الصحي داخل الأسرة وفهم المشاعر والحدود.

2. الأطر القانونية

سنّ قوانين واضحة تحمي الضحايا من العنف الجنسي داخل الأسرة، وتعيّن عقوبات رادعة.

ينبغي تدريب العاملين في العدالة الجنائية والنظام القضائي على فهم خصوصيات هذه القضايا الحساسة بما يحفظ كرامة الضحايا.

3. الدعم النفسي

توفير خدمات نفسية متاحة وسرّية للضحايا لمساعدتهم على معالجة الصدمات، وإعادة بناء العلاقات الصحية.

4. الحوار الثقافي

فتح حوار علمي ومنهجي بين الأكاديميين والمجتمع الديني والثقافي حول كيفية تفسير النصوص الدينية بما يدعم صحة العلاقات الزوجية ويحد من سوء الفهم الثقافي.

خاتمة

ظاهرة العنف أثناء الممارسة الجنسية في المجتمعات الإسلامية ليست مجرد قضية فردية، بل ظاهرة مركبة تمتد جذورها في الثقافة، التربية، التعليم، والفهم الديني والاجتماعي. تحتاج هذه الظاهرة إلى دراسات أوسع، برامج توعية، تشريعات صارمة، ودعم نفسي واجتماعي لضمان حياة زوجية صحية قائمة على الاحترام المتبادل والكرامة الإنسانية.

المراجع : 

🟠 دراسات منشورة في مجلات عالمية 

“الحماية الجزائية للزوجة من العنف الجنسي في العلاقة الزوجية بين ضرورة التفعيل وواقع التجسيد”

المؤلف: قشيوش رحمونة.

المجلة: إيليزا للبحوث والدراسات (2025).

الموضوع: دراسة قانونية حول الاعتداء الجنسي داخل الزواج وأهمية الحماية القانونية للزوجة. �

ASJP

“الممارسات الشاذة والتعسفية في العلاقة الجنسية بين الزوجين من منظور فقهي”

المؤلف: جمال محمد يوسف علي.

المجلة: مجلة كلية الدراسات الإسلامية، جامعة الأزهر.

الموضوع: تحليل لظاهرة الممارسات الجنسية التعسفية من منظور شرعي وأثرها على العلاقة الزوجية. �

Journal des Sciences Fondamentales

“العنف ضد الزوجة داخل الأسرة: دراسة حالة عن العنف الأسري”

المؤلفون: Nasrreddin Aziez & Samira Laghouil.

المجلة: Psychology and Education (2024).

الموضوع: حالة عن العنف الأسري بما يشمل أشكاله المتعددة. �

Psychology and Education

“العنف ضد الأزواج: دراسة سوسيولوجية لإحدى أشكال العنف الزوجي”

المؤلفة: فدى فؤاد عبد الفتاح.

المجلة: مجلة كلية الآداب–جامعة المنصورة (2017).

الموضوع: تحليل للعنف الزوجي من منظور سوسيولوجي. �

Journals EKB

الأربعاء، 14 يناير 2026

الى الصديق الاخ العزيز فؤاد .....!!!


بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!

التقيتُك في وقتٍ قصير، غير أنّ الأثر كان عميقًا، إذ لمستُ فيك صفاء النيّة، وصدق المعشر، ونُبل الخلق. ومن هذا المنطلق، يسعدني ويشرّفني أن أعبّر لك عن رغبتي الصادقة في صداقةٍ دائمة، قريبة، تقوم على الصدق والوفاء، وتُبنى على الاحترام المتبادل وحسن الظن.

إنّ الصداقة الحقيقية نعمةٌ نادرة، لا تُقاس بطول الزمن، بل بعمق القيم المشتركة، وبالقدرة على الثبات في المواقف، قبل المجاملات. وأرجو أن تكون علاقتنا، بعون الله، من هذا الصنف النبيل الذي يدوم بالصدق، ويقوى بالإخلاص، ويزدهر بالتعاون على الخير.

أسأل الله أن يجعل ودّنا خالصًا، وأن يبارك في هذه المعرفة، وأن يديم بيننا المعروف والتقدير.

أخوك المحبّ والمقدّر : خليفة مزضوضي 

شهادة : الشاعر إسماعيل زويريق: التجربة الشعرية بين الوجدان الإنساني والالتزام الثقافي


 من مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات والاصلاح السلوكي...!!

شهادة في حق الشاعر إسماعيل زويريق.

مقدمة

تُعدّ التجارب الشعرية الأصيلة رافعة أساسية للوعي الثقافي العربي، لما تحمله من قدرة على التعبير عن التحولات الوجدانية والاجتماعية والفكرية التي يعيشها الإنسان العربي في سياقات متغيرة. وفي هذا الإطار، تبرز تجربة الشاعر إسماعيل زويريق بوصفها تجربة شعرية متماسكة، تجمع بين الحس الإنساني العميق والالتزام الثقافي الواعي، وتؤسس لصوت شعري له خصوصيته داخل المشهد الأدبي العربي المعاصر.

أولاً: السياق العام للتجربة الشعرية

ينتمي الشاعر إسماعيل زويريق إلى جيل من الشعراء الذين وعوا إشكاليات المرحلة، وما تفرضه من أسئلة الهوية، والذات، والحرية، والانتماء. وقد جاءت تجربته الشعرية متفاعلة مع هذا السياق، لا على مستوى المضمون فحسب، بل على مستوى البناء الجمالي واللغوي، حيث تتداخل الرؤية الذاتية مع الهمّ الجمعي في نسق تعبيري متوازن.

ثانياً: البنية الفنية والخصائص الأسلوبية

تعتمد قصيدة إسماعيل زويريق على لغة شعرية موحية، تتسم بالاقتصاد الدلالي والعمق الرمزي، مع قدرة لافتة على توظيف الصورة الشعرية بوصفها أداة معرفية، لا مجرد عنصر زخرفي.

وتتجلى الخصائص الأسلوبية في:

الانزياح الدلالي الذي يمنح النص كثافة تأويلية.

التكثيف الوجداني الذي يجعل القصيدة مشحونة بطاقة شعورية عالية.

التوازن بين الإيقاع والمعنى، سواء في الأشكال العمودية أو التفعيلية أو النصوص المفتوحة.

ثالثاً: البعد الإنساني والوجداني

يمثل البعد الإنساني أحد المرتكزات الأساسية في شعر إسماعيل زويريق، حيث تتحول التجربة الذاتية إلى مرآة للوجع الإنساني العام. إن القيم الكونية مثل الحب، والكرامة، والأمل، والحنين، تشكل نواة دلالية تتكرر بصيغ مختلفة، ما يمنح النص بعدًا إنسانيًا يتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية.

رابعاً: الالتزام الثقافي والوظيفة الاجتماعية للشعر

لا ينفصل الشعر عند إسماعيل زويريق عن قضايا المجتمع والإنسان، إذ يتجلى الالتزام الثقافي في موقفه من الواقع، وفي انحيازه للقيم النبيلة دون الوقوع في المباشرة أو الخطابية. فالشاعر يقدّم رؤية نقدية للواقع من داخل الشعر، مستثمرًا الرمز والإيحاء بوصفهما آليتين فنيتين للتعبير عن الرفض أو الأمل.

خامساً: موقع الشاعر في المشهد الثقافي العربي

يُسهم إسماعيل زويريق في إثراء المشهد الشعري العربي من خلال نصوصه التي تجمع بين الأصالة والتجديد، وتحافظ على صلة واعية بالتراث، دون أن ترتهن له. وتؤهله هذه الخصائص ليكون أحد الأصوات الشعرية التي تستحق المتابعة النقدية والدراسة الأكاديمية الجادة.

خاتمة : 

إن تجربة الشاعر إسماعيل زويريق تمثل نموذجًا للشعر الذي ينهل من الوجدان الإنساني، ويتفاعل مع قضايا عصره بوعي فني وثقافي عميق. ومن موقعنا في اكاديميه الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات والاصلاح السلوكي ، نثمّن هذه التجربة، ونؤكد أهمية دعمها، ودعوة الباحثين والنقاد إلى مقاربتها ضمن الدراسات الأدبية المعاصرة، لما تحمله من قيمة جمالية وفكرية تسهم في ترسيخ دور الشعر في بناء الوعي الثقافي العربي.

د: خليفة مزضوضي المدير العام لأكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات والاصلاح السلوكي

الأحد، 11 يناير 2026

مشروع الملك..لدولة ولي العهد.. 2/1- هل يشكل المستقلون القوة السياسية الصاعدة

 

بقلم : خليفة مزضوضي باحث في علم الاجتماع والنفس/مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات والاصلاح السلوكي/ المنسق العام للمرصد الوطني للإعلام والدبلوماسية الموازية.....!!

منذ اللحظة التي اتخذ فيها الملك محمد السادس قراره بإيفاد فؤاد عالي الهمة إلى قلب الساحة السياسية سنة 2007، بدا واضحا أن المغرب يدخل طورا جديدا من تدبير الحياة الحزبية والانتخابية، على قاعدة "مشروع الملك"، إذ أن خروج الهمة من القصر كان أبعد من أن يكون خطوة شخصية أو "تجريبا" لدور سياسي جديد، فقد كان، منذ البداية، مبعوثا سياسيا للملك، مكلفا بمهمة صريحة: من جهة، إعادة ترتيب الحقل السياسي، الذي تراكمت فيه الأعطاب، وأصابه الترهل والاهتراء وتآكل الشرعية الاجتماعية، وتعذر إصلاحه من الداخل... ومن جهة ثانية، إطلاق دينامية سياسية جديدة تعطي للعمل الحزبي حدا أدنى من التأهيل والفعالية والجدية...

وهكذا، حين دخل الهمة إلى البرلمان بدون انتماء حزبي، في أعقاب انتخابات 2007، وتمكن من جمع فريق كبير من الرُحّل يتكون من 45 نائبا، أغلبهم (27 نائبا) ينتمون إلى الأحزاب السبعة التي سيُشّكّل منها الحزب لاحقا، كان ذلك تعبيرا عن ثقة ملكية في قدرة ذراعه اليمنى على تفكيك الجمود المتحجر داخل الحقل الحزبي، وبناء نواة سياسية صاعدة يمكن أن تقود عملية إعادة الهيكلة. لقد كان تشكيل فريقه البرلماني المستقل الذي أطلق عليه إسم "الأصالة والمعاصرة"، في أكتوبر 2007، أول خطوة عملية في مشروع أكبر يتكفل "مبعوث الملك" بتنزيله الميداني، في ما اعتُبرت، حينها، خطوة سياسية جريئة قلبت حسابات التوازنات التقليدية في البرلمان، قبل أن تتعزز هذه الخطوة، في 17 يناير 2008، عندما أسس الهمة حركة سياسية وفكرية مفتوحة، حملت اسم "حركة لكل الديمقراطيين"، وضمت أطيافا سياسية متعددة، اجتمعت على أرضية الدفاع عن الخيار الديمقراطي والحداثي، الذي اختاره الملك، وترسيخ أسسه في مواجهة الفقر والهشاشة والتفاوتات الاجتماعية والمجالية، وفي رفع تحديات التنمية البشرية. 

الحركة لم تكن حزبا، لكنها كانت خطة سياسية شاملة مهمتها سد الفراغ، الذي خلفه فشل الأحزاب في النهوض بمهامها الدستورية، وكان الهدف الأساسي هو دفع هذه الأحزاب لمراجعة أوضاعها المنكسرة، وتجديد نخبها، وبناء برامجها وفق تفاعل إيجابي مع التطورات، التي تعرفها البلاد، حتى لا تُرمى إلى هامش التحولات المجتمعية، وتصبح أحزابا خاوية على عروشها. لكن مقاومة بعض النافذين داخل تلك الأحزاب لأوراش الإصلاح، التي دعت حركة لكل الديمقراطيين إلى فتحها ومباشرة مهامها، دفعت الهمة إلى الانتقال إلى مرحلة تأسيس حزب جديد، حمل إسم فريقه النيابي "الأصالة والمعاصرة" في 7 غشت 2008، استنادًا إلى ركيزتين مؤسستين: تقرير الخمسينية وتوصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، أي نفس القاعدة الفكرية التي يقوم عليها المشروع الإصلاحي للملكية في عهد محمد السادس...

منذ تلك اللحظة، بدأت تظهر حدود العمل الحزبي التقليدي، وبدأ يتأكد أن الأزمة الحقيقية في المغرب هي أزمة أحزاب. ولهذا السبب بالذات، لوحظ أن الجالس على العرش يتقصد، في عدد من الخطب والرسائل، توجيه انتقادات واضحة وصريحة للحياة الحزبية، معتبرا أن الأحزاب في حاجة إلى "تأهيل وتجديد نخبها"، وأن الساحة السياسية لا يمكن أن تستمر في الدوران في نفس الحلقة المفرغة بنفس الوجوه والسياسات الرتيبة. ولنفس السبب، يمكن أن نفهم مغزى وأبعاد بلاغ القصر في 7 غشت 2007، الذي أعلن موافقة الملك على خروج الهمة لممارسة العمل السياسي، وتوج هذا الخروج بتأسيس حزب الأصالة والمعاصرة، الذي قوبل بردود فعل تراوحت بين التفهم والتأييد، وبين الرفض الغاضب والهجوم والتخويف من تهديده المباشر للأحزاب التقليدية...

وبدا جليا أن مقاومة هذه الدينامية كانت قوية، فقد خرجت حملة واسعة من الأحزاب المتضررة تتحدث عن "الوافد الجديد"، وابتكر بعض "الخبراء والمحللين" حكاية "حزب الدولة"، وأطلق بعض الإعلاميين تكهنات حول فوز "حزب صديق الملك"، في انتخابات 2009، بأغلبية الأصوات والمقاعد في البرلمان، وتوقّعوا تعيين الهمة وزيرا أول، قبل أن يكذبهم الزمن. 

وما زلت أذكر تحولات الوجوه والمواقف والسلوكات في تلك المرحلة، التي عشت وعايشت مختلف محطاتها السياسية والتنظيمية، كان الهمة يتلقى الضربات من تحت الحزام، وكان يتنقل هنا وهناك، في المدن والقرى، مبشرا بالدفاع عن "مشروع جلالة الملك"، وحدد دعائم المشروع في محاربة الفقر وفتح أوراش التنمية البشرية، قبل أن تشتد الضربات، وتتنامى الانحرافات، وتتضاعف الاختلالات في السلوكات والتوجهات، وكان واضحا أن مشروع الهمة أضحى يصطدم بشتى المعوقات، ما دعا "صديق الملك" إلى أن ينفض يديه من الحزب متبرما من "غدر" من أسماهم الهمة، آنذاك، بـ"العشرة المبشرين"، وعلى رأسهم إلياس العمري ومحمد الحموتي وصلاح الوديع، الذين كانوا قد أصدروا رسالة على شكل "بلاغ"، أيام اشتدّ وطيس حركة 20 فبراير، يقولون فيها ما "يفهم منه" أن تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة كان "خطيئة"، ويطلبون مراجعة جذرية، فرد عليهم الهمة برسالة حامية الوطيس، وجهها للأمين العام للحزب آنذاك محمد الشيخ بيد الله، يوم 14 ماي 2011، وقام بـ"تقريعهم"، معلنا تذمره مما يجري داخل قيادة الحزب من "صراعات جانبية، وانقسامات غير مبررة، والرغبة في تعطيل عمل اللجن التي تم التوافق على تركيبتها، وصلاحيتها، ورئاستها"، قبل أن يقول بوضوح إن "المشروع السياسي، الذي على أساسه تم بناء الحزب، قد تعرض لانحرافات كثيرة"، مشددا على أن الجو السائد في الحزب "يجر تجربتنا إلى وضع المأزق، مما يشكل انهيارا للآمال المعلقة عليها في لحظة سياسية دقيقة تمر منها بلادنا..."، وكان ذلك سببا في تجميد عضويته بكل مؤسسات الحزب إلى أن غادر الهمة البام لشغل منصب مستشار للملك محمد السادس، بعد أن تبين أن مشروع الملك قد تعرض للتعطيل...

انسحاب الهمة من الواجهة الحزبية والعودة إلى القصر كان، في ما أرى وأعتقد، بمثابة إعادة تموضع داخل الهندسة الملكية، بعد أن أتم المرحلة، التي بُعث من أجلها: إطلاق دينامية جديدة، وكسر الجمود، ووضع حجر الأساس لتطور سياسي مختلف. لقد كان انتقاله إلى الديوان الملكي هو عودته إلى مكانه الطبيعي، واستئناف وظيفته الأصلية باعتباره أحد صناع الرؤية الملكية للإصلاح.

وهنا، نصل إلى المغزى من استعادة هذه المحطات السياسية التاريخية، وهو طرح السؤال الكبير: هل تسمح الظرفية المجتمعية اليوم للمشروع المُعطّل والمؤجّل لسنة 2011 أن يعود إلى الحياة عبر انتخابات 2026؟

لا نتحدث هنا عن حزب الأصالة والمعاصرة الذي خذل قياديوه مؤسسه، بل نطرح هذا السؤال بناء على الفكرة الجوهرية، التي كان الهمة قد أتى بها واشتغل عليها لتكون هي البنية الأساسية للانتخابات التشريعية والجماعية، بعد فشل حملة "دابه 2007" لدفع الشباب للانخراط فالحياة السياسية، وفشل فكرة الحزب العمالي، فعندما شكل الهمة "فريق بدون انتماء سياسي" بمجلس النواب من اتجاهات متعددة، وعندما أسس "حركة لكل الديمقراطيين" من حساسيات متنوعة، بدا جليا أن "مبعوث الملك" كانت له قدرة ملحوظة على تشكيل فريق برلماني كبير وبناء أكبر كتلة برلمانية كان بإمكانها إسقاط حكومة عباس الفاسي لو أرادت، وهي قدرة لا تتوفر اليوم لأي تنظيم حزبي ولأي فاعل سياسي، كما عمل الهمة، بعد تأسيس هيئته الحزبية، على تحصين الانتخابات أنداك من شتى الانحرافات، وتوطيد البعد السياسي للعمل الانتخابي من خلال اشتراط التزكية الحزبية لكل تمثيلية "رئاسة الجماعات" ولكل مسؤولية ب"التصويت العلني"، وطرد "الخبّاطة"، الأمر الذي استعملته الأحزاب، بعد ذلك، لتصبح التزكيات ساحة للبيع والشراء، خصوصا بعد تضييق الخناق على ترشح المستقلين أو اللامنتمين، وهو ما تصدى له الملك اليوم، بفتح أبواب الانتخابات أمامهم وبالخصوص أمام الشباب، حيث يمكن القول إن التعديلات المقترحة على القوانين الانتخابية، التي شدّد عليها الملك، ستكون منعطفا حاسما في تخليق الفضاء الحزبي والانتخابي، عبر تحصين المؤسسات المنتخبة من أي اختراق للفساد والمفسدين، وفي تأمين الشروط الضرورية لتجديد النخب السياسية، من خلال استقطاب الشباب دون 35 سنة وتحفيزهم على ولوج العمل السياسي، وتخصيص دعم مالي لهم لتغطية 75 في المائة من مصاريف حملاتهم الانتخابية، إلى جانب تخصيص الدوائر الجهوية للنساء...

بمعنى آخر، هل يمكن القول إن العودة المرتقبة للمستقلين، التي أعادت الاعتبار لترشح اللامنتمين، هي شكل من عودة الروح للمشروع الملكي، الذي تعطّل قبل خمسة عشر عاما؟ هذا ما تؤشر إليه التعديلات الجديدة، التي تفتح الباب، كما سبق أن ذكرنا، لثلاثة تحولات كبرى:

أولا، تجفيف منابع الفساد السياسي عبر ضرب اقتصاد التزكيات والمال الانتخابي الذي دمر السياسة وجعل الأحزاب تتحول إلى متاجر للتوظيف الانتخابي.

ثانيا، إعادة موقع الأحزاب إلى وضعها الطبيعي ودورها الدستوري، بعدما تحولت أغلبها إلى هياكل خاوية عاجزة عن إنتاج برامج أو نخب أو مواقف مبنية على إدراك عميق للتحولات الحاصلة والمحتملة.

ثالثا، تجديد جيلي شامل يتماشى مع متطلبات "المغرب الصاعد"، كما حدده الملك في النموذج التنموي الجديد.

إن فتح الباب للمستقلين هو جزء من تصور ملكي شامل لإعادة هيكلة الدولة ذاتها. فالدولة، منذ سنوات، دخلت مرحلة إعادة الضبط الاستراتيجي ببرنامج ملكي خالص:

- إطلاق أكبر أوراش البنى التحتية في إفريقيا.

- التموقع الجديد للمغرب في العمق الإفريقي والإقليمي وفي المحيط الدولي.

- المشاريع الصناعية الكبرى مثل الهيدروجين الأخضر وصناعة السيارات.

- الدبلوماسية الهجومية التي أعادت التوازن للقضية الوطنية.

- النموذج التنموي الجديد الذي أعطى بوصلة واضحة للدولة، أساسها المرور للدولة الاجتماعية.

كل هذه الأوراش تتطلب طبقة سياسية جديدة، لأن المؤسسات لا يمكن أن تشتغل بفعالية بينما تظل الأحزاب مريضة ومتهالكة. ومن هنا نفهم أن إصلاح المنظومة الانتخابية هو إصلاح دولة قبل أن يكون إصلاح أحزاب. 

فهل سيستطيع المستقلون، غدا، النجاح في تشكيل أكبر قوة سياسية، والتحرك لفرض توجهاتهم الجديدة، المواكبة لتحولات الدولة والمجتمع، من خلال تشكيل قوة سياسية مؤهلة، إما عبر الانخراط الواسع في الأحزاب والهيمنة على تركيبتها وتوجهاتها، وإما عبر تشكيل هيئة حزبية جديدة تعكس تطورات "المغرب الصاعد"، الذي بشر به الملك محمد السادس؟

يتبع..

الخميس، 1 يناير 2026

تنامي ظاهرة السِّحاق (العلاقات المثلية بين النساء) في بعض المجتمعات العربية: قراءة اجتماعية وثقافية .

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!
مقدمة
تشهد المجتمعات العربية في العقود الأخيرة تحولات اجتماعية وثقافية عميقة، بفعل العولمة، وانتشار وسائل التواصل الحديثة، وتغيّر أنماط العيش والقيم. ومن بين الظواهر التي بدأ يُتداول الحديث عنها – وإن ظل في نطاق الحرج والكتمان – ما يُعرف بـ السِّحاق أو العلاقات العاطفية والجنسية بين النساء. ورغم أن هذه الظاهرة ليست جديدة تاريخيًا، فإن الجدل حول تناميها وظهورها العلني النسبي يفرض مقاربة علمية هادئة بعيدة عن التهويل أو التبرير.
أولاً: مفهوم السِّحاق
السِّحاق في الاصطلاح هو إقامة علاقة عاطفية أو جنسية بين امرأتين. وقد عُرفت هذه الظاهرة في مجتمعات مختلفة عبر التاريخ، لكنها ظلت في المجتمعات العربية والإسلامية محرّمة دينيًا ومرفوضة اجتماعيًا، وتُمارَس – إن وُجدت – في نطاق السرية.
ثانيًا: أسباب الحديث عن تنامي الظاهرة
1. التحولات الثقافية والعولمة
ساهم الانفتاح الإعلامي العالمي، والأفلام، والمنصات الرقمية، في نقل أنماط سلوكية وقيم جديدة، بعضها يتعارض مع المنظومة الأخلاقية العربية، مما أدى إلى تطبيع الخطاب حول المثلية في بعض الفضاءات الافتراضية.
2. وسائل التواصل الاجتماعي
وفّرت هذه الوسائل:
فضاءات مغلقة للتعارف والتواصل
شعورًا زائفًا بالأمان والقبول
مجموعات تشجع على تبني هويات وسلوكيات غير مألوفة مجتمعيًا
3. التفكك الأسري وضعف الرقابة التربوية
غياب الحوار داخل الأسرة، وضعف التوجيه الديني والنفسي، قد يدفع بعض الفتيات إلى البحث عن القبول العاطفي في علاقات بديلة.
4. صدمات نفسية وتجارب مؤلمة
تشير بعض الدراسات النفسية إلى أن:
الاعتداءات الجنسية
الإهمال العاطفي
التجارب العاطفية الفاشلة مع الرجال
قد تكون عوامل مساهمة، دون أن تكون سببًا وحيدًا أو حتميًا.
5. الخلط بين الصداقة والعلاقة العاطفية
في البيئات النسوية المغلقة (المدارس الداخلية، السجون، بعض أماكن العمل)، قد يحدث التباس بين:
التقارب العاطفي الطبيعي
والتعلّق المرضي الذي يتجاوز حدوده السوية
ثالثًا: الموقف الديني والاجتماعي
من المنظور الإسلامي:
السِّحاق محرم شرعًا لأنه خروج عن الفطرة التي فطر الله الناس عليها.
يُنظر إليه كـ سلوك وليس هوية ثابتة، ما يفتح باب التوبة والإصلاح.
أما اجتماعيًا:
لا يزال مرفوضًا بشدة
يُنظر إليه كتهديد لبنية الأسرة واستقرار المجتمع
لكنه يُناقش اليوم بصوت أعلى بسبب الإعلام والفضاء الرقمي
رابعًا: آثار الظاهرة على الفرد والمجتمع
على الفرد
اضطرابات نفسية (القلق، الاكتئاب، الصراع الداخلي)
عزلة اجتماعية
صعوبة الاندماج الأسري والزوجي لاحقًا
على المجتمع
إضعاف مؤسسة الأسرة
تشويش المرجعيات القيمية
صراع بين الأجيال حول الهوية والمعايير الأخلاقية
خامسًا: سبل المعالجة والوقاية
1. تعزيز التربية الدينية المتوازنة
تربية تقوم على:
الفهم لا التخويف
الرحمة لا الإقصاء
الجمع بين القيم والواقع
2. فتح قنوات الحوار الأسري
الاستماع للفتيات، ومناقشة تساؤلاتهن دون عنف أو استهزاء.
3. التأطير النفسي والتربوي
توفير مختصين نفسيين مؤهلين يعالجون الحالات بحكمة، بعيدًا عن الوصم.
4. ترشيد المحتوى الإعلامي
والحد من الترويج غير الواعي لسلوكيات دخيلة على المجتمعات العربية.
خاتمة
إن الحديث عن تنامي ظاهرة السِّحاق في المجتمعات العربية يجب أن يتم بمنهج علمي وإنساني، يوازن بين الثوابت الدينية، والواقع الاجتماعي، والحاجات النفسية للأفراد. فالمعالجة الحقيقية لا تكون بالإنكار المطلق ولا بالتطبيع الكامل، وإنما بالفهم، والوقاية، والإصلاح، حفاظًا على الفرد والأسرة والمجتمع.

تنامي ظاهرة العنف الرمزي عبر الصور واللغة

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!

مقدمة

أضحى العنف في المجتمعات المعاصرة لا يقتصر على أشكاله المادية المباشرة، بل برزت أنماط جديدة أكثر خفاءً وتأثيراً، من أبرزها العنف الرمزي الذي يُمارَس عبر الصور واللغة والخطاب. ويُعد هذا النوع من العنف أخطر من العنف الجسدي، لأنه يتسلل إلى الوعي الجمعي ويُنتج القبول والاستسلام دون وعي الضحايا بطبيعته القهرية.

أولاً: مفهوم العنف الرمزي

يرجع مفهوم العنف الرمزي إلى عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو، ويقصد به ذلك العنف غير المرئي الذي يُمارَس من خلال الرموز الثقافية واللغوية، ويؤدي إلى فرض أنماط تفكير وقيم ومعايير اجتماعية تخدم فئة مهيمنة، بينما تتقبلها الفئات المُهيمَن عليها باعتبارها طبيعية أو شرعية.

ويتميز العنف الرمزي بـ:

كونه غير مباشر وغير محسوس.

اعتماده على الإقناع لا الإكراه.

اشتغاله عبر اللغة، الصورة، التعليم، الإعلام، والعادات الاجتماعية.

ثانياً: العنف الرمزي عبر اللغة

تلعب اللغة دوراً مركزياً في إنتاج العنف الرمزي، إذ تُستخدم كأداة لإعادة إنتاج الهيمنة الاجتماعية.

مظاهر العنف اللغوي الرمزي:

الخطاب التمييزي: استعمال ألفاظ تحقيرية تجاه فئات معينة (النساء، الأقليات، الفقراء).

التطبيع مع الإقصاء: استخدام عبارات تُشرعن التهميش مثل "هذا وضع طبيعي".

الهيمنة اللغوية: فرض لغة معينة باعتبارها أرقى من غيرها، مما يُنتج شعوراً بالدونية.

الوصم الاجتماعي: ربط فئات اجتماعية بصفات سلبية متداولة لغوياً.

وتُسهم هذه الممارسات في ترسيخ اللامساواة دون حاجة إلى عنف مادي مباشر.

ثالثاً: العنف الرمزي عبر الصور

أصبحت الصورة في العصر الرقمي أداة قوية لإنتاج المعنى والتأثير، وهو ما جعلها وسيلة فعالة لممارسة العنف الرمزي.

مظاهر العنف الرمزي في الصور:

الصور النمطية: تقديم المرأة أو الطفل أو الفقير بصورة دونية متكررة.

التلاعب البصري: توجيه المتلقي عبر زوايا تصوير وانتقاء مشاهد تخدم خطاباً معيناً.

الإقصاء البصري: تغييب فئات اجتماعية كاملة من التمثيل الإعلامي.

تطبيع العنف: عرض مشاهد عنف أو إذلال بشكل اعتيادي يضعف الحس النقدي لدى المتلقي.

رابعاً: وسائل الإعلام والفضاء الرقمي

ساهمت وسائل الإعلام التقليدية ومنصات التواصل الاجتماعي في تضخيم العنف الرمزي من خلال:

سرعة تداول الصور والخطابات.

غياب الرقابة الأخلاقية في كثير من الأحيان.

خوارزميات تُفضل المحتوى الصادم والمثير.

انتشار التنمر الإلكتروني وخطاب الكراهية.

وأصبح المتلقي في كثير من الأحيان شريكاً غير واعٍ في إعادة إنتاج هذا العنف عبر المشاركة والتعليق.

خامساً: الآثار الاجتماعية والنفسية

يؤدي العنف الرمزي إلى:

تدمير الثقة بالنفس لدى الأفراد.

تكريس اللامساواة الاجتماعية.

إعادة إنتاج علاقات الهيمنة.

تشويه الوعي الجمعي والقيم الثقافية.

خلق قبول اجتماعي بالظلم والتهميش.

سادساً: آليات المواجهة

لمواجهة تنامي العنف الرمزي، يمكن اعتماد:

التربية الإعلامية: تنمية الوعي النقدي تجاه الصور والخطابات.

إصلاح الخطاب الإعلامي: اعتماد لغة مسؤولة وغير إقصائية.

التشريع القانوني: سن قوانين تجرّم خطاب الكراهية.

تعزيز الثقافة الحقوقية: نشر قيم المساواة والكرامة الإنسانية.

دور المؤسسات التعليمية: تفكيك الصور النمطية وتعليم التفكير النقدي.

خاتمة

يمثل العنف الرمزي عبر الصور واللغة شكلاً معقداً من أشكال الهيمنة الحديثة، تتطلب مواجهته وعياً نقدياً جماعياً وإصلاحاً ثقافياً عميقاً. فالتصدي لهذا النوع من العنف لا يكون بالقوة، بل بتفكيك الخطابات والرموز التي تُنتجه، وبناء ثقافة تحترم الإنسان وكرامته.

ظاهرة الميمز الرقمية: مقاربة سوسيولوجية وثقافية وإعلامية

 

بقلم : خليفة مزضوضي باحث في علم الاجتماع والنفس/مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات والاصلاح السلوكي/ المنسق العام للمرصد الوطني للإعلام والدبلوماسية الموازية.....!!

مقدم
شهد الفضاء الرقمي في العقود الأخيرة تحولات عميقة في أنماط التواصل والتعبير، كان من أبرز مظاهرها بروز الميمز الرقمية (Internet Memes) كوسيلة تعبيرية جديدة تجمع بين الصورة والنص والسخرية. لم تعد الميمز مجرد مواد ترفيهية عابرة، بل تحولت إلى خطاب ثقافي واجتماعي يعكس القيم والاتجاهات والاحتجاجات وحتى الصراعات السياسية داخل المجتمعات الرقمية. يهدف هذا البحث إلى دراسة ظاهرة الميمز من منظور أكاديمي شامل، يبرز جذورها النظرية، وأبعادها الاجتماعية والثقافية، ووظائفها الإعلامية.
أولًا: الإطار المفاهيمي لظاهرة الميمز
1. تعريف الميم
يعود مصطلح Meme إلى عالم الأحياء البريطاني ريتشارد دوكنز (Richard Dawkins) في كتابه The Selfish Gene (1976)، حيث عرّفه بوصفه وحدة ثقافية تنتقل من فرد إلى آخر عبر التقليد، تمامًا كما تنتقل الجينات بيولوجيًا.
أما في السياق الرقمي، فيُقصد بالميم:
“محتوى بصري أو لغوي مختصر، ينتشر بسرعة عبر الإنترنت، ويحمل دلالات ساخرة أو نقدية قابلة لإعادة التوظيف.”
2. خصائص الميمز الرقمية
الاختصار والكثافة الدلالية
قابلية التعديل وإعادة الإنتاج
الانتشار الفيروسي السريع
الطابع الساخر أو النقدي
الاعتماد على السياق الثقافي المشترك
ثانيًا: نشأة الميمز وتطورها في الفضاء الرقمي
ظهرت الميمز مع بدايات المنتديات الإلكترونية (4chan، Reddit)، ثم انتقلت إلى منصات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك، تويتر، إنستغرام وتيك توك. ومع تطور تقنيات التصميم والذكاء الاصطناعي، أصبحت الميمز أكثر تعقيدًا وتأثيرًا.
ثالثًا: الأبعاد السوسيولوجية لظاهرة الميمز
1. الميمز والهوية الجماعية
تسهم الميمز في تشكيل هويات رقمية مشتركة، حيث يشعر الأفراد بالانتماء إلى جماعة تفهم الرمز والسخرية ذاتها.
2. الميمز كأداة نقد اجتماعي
تُستخدم الميمز للتعبير عن:
السخط الاجتماعي
نقد السلطة
السخرية من الظواهر الاقتصادية والتعليمية
كشف التناقضات القيمية
3. الميمز والشباب
تشكل الميمز لغة شبابية بديلة، تتجاوز القيود اللغوية الرسمية، وتعتمد على الرموز المختزلة والمرجعيات الشعبية.
رابعًا: الميمز والخطاب الإعلامي
1. الميمز كوسيلة اتصال جماهيري
أصبحت الميمز منافسًا حقيقيًا للخطاب الإعلامي التقليدي، لما تمتلكه من سرعة وتأثير وانتشار واسع.
2. الميمز والتلاعب بالرأي العام
في بعض السياقات، تُوظَّف الميمز في:
الدعاية السياسية
التضليل الإعلامي
تبسيط القضايا المعقدة بشكل مخل
خامسًا: الأبعاد النفسية والتواصلية للميمز
التنفيس النفسي والضحك الجماعي
تقليل التوتر والقلق الاجتماعي
تعزيز التفاعل والمشاركة
تسهيل إيصال الرسائل الحساسة بطريقة غير مباشرة
سادسًا: الميمز في السياق العربي
في المجتمعات العربية، اكتسبت الميمز طابعًا خاصًا، حيث:
تمزج بين الفصحى واللهجات المحلية
تعكس الواقع السياسي والاجتماعي
تتجاوز الرقابة أحيانًا عبر الرمزية والسخرية
سابعًا: الإشكالات الأخلاقية والقانونية
انتهاك الخصوصية
السخرية من الفئات الهشة
خطاب الكراهية
التعدي على حقوق الملكية الفكرية
ثامنًا: الميمز بين الثقافة الشعبية والمعرفة
رغم بساطتها، تؤدي الميمز دورًا معرفيًا عبر:
تبسيط المفاهيم
نشر الوعي
خلق نقاشات عامة حول قضايا مهمة
خاتمة
تؤكد الدراسة أن الميمز لم تعد ظاهرة هامشية، بل أصبحت أداة ثقافية وإعلامية ذات تأثير بالغ في تشكيل الوعي الجمعي. فهي مرآة تعكس تحولات المجتمع الرقمي، وتستدعي مزيدًا من البحث الأكاديمي لفهم أبعادها وآثارها المستقبلية.
مراجع مقترحة
Dawkins, R. (1976). The Selfish Gene. Oxford University Press.
Shifman, L. (2014). Memes in Digital Culture. MIT Press.
Jenkins, H. (2006). Convergence Culture. NYU Press.